العودة لنسخة الموبايل
النسخة الكاملة

من معهد إدارة عامة إلى أكاديمية حكومية

من معهد إدارة عامة إلى أكاديمية حكومية

 

 

أ. د. ليث كمال نصراوين*

 

صدرت الإرادة الملكية السامية بالمصادقة على نظام الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية رقم (12) لسنة 2026، ليدخل حيز التنفيذ ويحل محل معهد الإدارة العامة الذي تم إلغاؤه مع سريان النظام الجديد. وتعكس هذه الخطوة الوطنية توجه واضح نحو إعادة بناء منظومة الإدارة العامة على أسس حديثة، قوامها الاستثمار في القدرات البشرية، وتحويل التدريب من مجرد نشاط تقليدي إلى أداة إصلاح مؤسسي حقيقي.

ومن خلال استعراض نصوص النظام الجديد، يتبين أن الهدف لم يكن إنشاء مؤسسة جديدة فحسب، بل إعادة صياغة عملية تطوير الموارد البشرية في الدولة الأردنية. فالنصوص المستحدثة تعكس انتقال صريح من مجرد تقديم الدورات التدريبية، كما كان عليه الحال في معهد الإدارة العامة، إلى إدارة منظومة وطنية متكاملة لبناء القدرات، تقوم على إعداد أطر عامة موحدة، وربط التدريب بالسياسات العامة والأولويات الوطنية، وتوحيد الجهود الحكومية في هذا المجال.

وفي هذا الإطار، يعكس النظام الجديد تطور في أدوات العمل ومنهجياته؛ إذ ستعتمد الأكاديمية على تبني التعلم التجريبي والرقمي والتعلم الذاتي، وإدماج التدريب في تحديات العمل الحكومي، إلى جانب إدخال مفهوم قياس أثر التدريب وربطه بإنتاجية القطاع العام وسلوك الموظفين. كما سيتسع الدور الوظيفي للأكاديمية ليشمل الإسهام في دعم رسم السياسات العامة، وتعزيز الشراكات المحلية والدولية ضمن رؤية واضحة تستهدف تحويل الأردن إلى مركز إقليمي في مجال تنمية الإدارة الحكومية وبناء القدرات.

وبمقارنة نصوص النظام الجديد بالمبادئ التي كانت تحكم عمل معهد الإدارة العامة، يتضح أن الحكومة لم تقتصر على تعديل الإطار المؤسسي للوحدة الإدارية المسؤولة عن التدريب الحكومي، بل أحدثت تحول جوهري في المركز القانوني للجهة المعنية ببناء القدرات. فعلى خلاف المعهد الذي كان يرتبط بالوزير المعني بتطوير القطاع العام، انتقل ارتباط الأكاديمية إلى رئيس الوزراء، بما يعكس نقل هذه المؤسسة من المستوى التنفيذي إلى مركز التأثير في القرار الحكومي.

كما اختلفت تشكيلة مجلس الأمناء بين الأكاديمية والمعهد؛ إذ أصبح المجلس في النظام الجديد برئاسة رئيس الوزراء، ويضم أعضاء من المؤسسات الأكاديمية، في حين كانت رئاسة مجلس أمناء المعهد مناطة بالوزير المعني، دون اشتراط صريح لتمثيل الأكاديميين فيه. وبالتوازي مع ذلك، جرى تعزيز قواعد الحاكمية الرشيدة والمساءلة القانونية، من خلال حظر مشاركة أعضاء مجلس الأمناء في أي من أنشطة الأكاديمية مقابل بدلات مهما كان نوعها، وإلزامهم بالإفصاح عن أي تضارب في المصالح، والتعهد بالإبلاغ عن أي منفعة متحققة أو محتملة، وذلك تحت طائلة المسؤولية القانونية.

وفي ضوء ذلك، تبرز الدلالة الإدارية لتحويل "المعهد" إلى "أكاديمية"، إذ لا يقتصر هذا التحول على تغيير التسمية، بل يعكس تطور في طبيعة الوظيفة المؤسسية. فالمعهد كان يؤدي دور تدريبي محض، حتى مع اتساع مهامه، بوصفه مزود خدمة داخل الجهاز الحكومي، في حين تتجه الأكاديمية إلى أداء دور قيادي يقوم على إدارة رأس المال البشري، من خلال إنتاج المعرفة، وتصميم المسارات المهنية، وتطوير القيادات، وربط التدريب بالكفايات الوظيفية ضمن إطار مؤسسي متكامل.

كما تتميز الأكاديمية بأنها لا تتعامل مع التدريب بوصفه مرحلة منفصلة، بل ضمن منظومة حكومية مترابطة، تقوم على التنسيق مع الجهات الحكومية التي يلزمها النظام الجديد بتزويد الأكاديمية باحتياجاتها التدريبية والتخصصية، بما يمكنها من تصميم البرامج المناسبة، إضافة إلى إلزامية إشراك موظفيها في المسارات التدريبية المتخصصة، لا سيما المرتبطة بإعداد القيادات الحكومية.

ويبرز كذلك توجه واضح نحو الانفتاح المؤسسي، حيث تتمثل إحدى أهم وظائف الأكاديمية في بناء شراكات محلية وإقليمية ودولية، والانخراط في شبكات التميز العالمية، بما يسهم في ترسيخ مكانة الأردن كمركز دولي للتميز في الإدارة الحكومية وبناء القدرات.

ومع ذلك، فإن القراءة المتأنية للنظام الجديد تكشف أن هذا الطموح يبقى مرهون بتوافر أدوات تنفيذية قادرة على ترجمة أهداف الأكاديمية إلى نتائج ملموسة، تربط بشكل واضح بين مخرجات التدريب ونتائج الأداء المؤسسي. كما يلاحظ أن النظام، رغم تأكيده على أهمية بناء القدرات، لم يحسم بشكل صريح مسألة ربط مخرجات هذه العملية بالمسار الوظيفي للموظف العام، وهو عنصر حاسم في ضمان الأثر الفعلي. فالتدريب، مهما بلغت جودته، يبقى محدود التأثير إذا لم تنعكس مخرجاته على الترقية والتقدم الوظيفي وتقييم الأداء بالنسبة للموظف الذي خضع لعملية التدريب والتأهيل.

وفي المحصلة، يعكس نظام الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية توجه وطني نحو تحديث الإدارة العامة ضمن الجهود الملكية للتحديث الإداري، ويقدم نموذج متقدم من حيث الطبيعة القانونية والحوكمة والرؤية. غير أن القيمة الحقيقية لهذا النظام ستتحدد في قدرته على الانتقال من النص إلى التطبيق، ومن الفكرة إلى الأثر، وهي المسافة التي تفصل بين التشريع المتقدم والإصلاح المؤسسي الحقيقي الذي سيلمس المواطن نتائجه الفعلية على أرض الواقع.

 

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

laith@lawyer.com

 

 

 

 

باحثة فلسطينية تتالق في دراسات الدماغ بجامعة النجاح تطور جديد في ملف الضمان الاجتماعي.. قضايا وأسماء شركات وأفراد شروط وإجراءات الحصول على تأشيرة أوروبا للأردنيين قاليباف يكشف: تقدم في المفاوضات مع امريكا رغم الخلافات العميقة غزة: مرضى العيون يواجهون خطر فقدان البصر بسبب إغلاق المعابر تحذير رسمي من التنفيذ القضائي.. خطأ بسيط قد يسبب منع سفر وتعميم بعد الأجواء الشتوية.. ارتفاع مرتقب ومنخفض يلوح بالأفق مضيق هرمز: صراع الإرادات بين واشنطن وطهران على خلفية التوترات الاقتصادية أمانة عمان ترفع عدد كاميرات المخالفات المرورية إلى 102 وتشغيل 20 رادارا جديدا نقابة الأطباء تنعى 12 شخصية أردنية (أسماء) إصابة الأردني مهند أبو طه بألعاب نارية خلال مباراة القوة الجوية ودهوك - فيديو الدبيبة يبحث عن حلول ليبية في أنطاليا لقاءات مكثفة مع روسيا وتركيا ومصر وقطر رقمنة الحج والعمرة: تطبيقات ذكية لتجربة روحانية ميسرة أنواع الإقامات وشروط العمل في دول الخليج الجيش اللبناني يرمم طرق الجنوب المتضررة من الغارات اكتشف سر صحة قلبك: توقيت التمرين يكشف المستور تصعيد في غزة: إصابات بنيران الاحتلال الإسرائيلي أمنية شريك الاتصالات لمؤتمر FMC 2026 وتعرض دورها في تشغيل المرافق الذكية في الأردن عمّان الأهلية بالتعاون مع ملتقى شباب وشابات البلقاء تستضيف ندوة وطنية برعاية معالي العين د. رجائي المعشر