في زاوية من حي الشيخ رضوان بمدينة غزة يجلس المسن الفلسطيني خليل سالم المعروف بـ ابو اكرم كل يوم قرب انقاض منزله الذي حولته غارات الاحتلال الى ركام. واظهرت رحلة هذا الرجل الثمانيني فصولا من المعاناة التي بدات منذ نكبات فلسطين المتتالية وصولا الى حرب الابادة الحالية التي خطفت منه زوجته وثلاثة من ابنائه واثنتين من زوجات ابنائه.
وكشفت تفاصيل حياة ابو اكرم عن ثقل المسؤولية التي بات يحملها على كاهله في خريف عمره حيث اصبح المعيل الوحيد لواحد وعشرين حفيدا يتيما بعد ان فقدوا اباءهم وامهاتهم في ليلة واحدة. واوضح الرجل ان عكازه لم يعد مجرد اداة للمشي بل صار رفيقه في رحلة البحث عن لقمة العيش وتدبير شؤون الصغار الذين باتوا لا يملكون سوى جدهم ليجمع شتاتهم ويحفظ لهم ذكريات آبائهم.
وبين الرجل ان المكان الذي يجلس فيه اليوم اصبح مزارا يوميا للذاكرة ومطبخا متواضعا يجمع حوله بقايا العائلة في ظل ظروف قاسية لا ترحم. واكد ان صور ابنائه الشهداء وخاصة ابنه البكر محمد هي كل ما تبقى له من ريحة الاحبة التي يحاول استنشاقها في كل تفاصيل يومه وسط الركام.
نجاة مثقلة بالجراح والذكريات
وتحدث ابو اكرم عن تلك الليلة الفاصلة في ديسمبر حيث استهدف الاحتلال المربع السكني بالكامل ليدمر بيوت العائلة ويفتح جرحا غائرا لا يندمل. واضاف انه نجا بمعجزة من تلك المجزرة لكنه خرج بجسد منهك اصيب في رقبته ورأسه بما استدعى خياطة جرحه بست وثلاثين غرزة لا تزال تلاحقه بآلامها.
واشار الى انه رغم معاناته مع غضاريف الرقبة وصعوبة الحركة فانه يصر على البقاء قرب بيته المدمر كنوع من التمسك بالبقاء في ارضه. وشدد على ان وجوده هناك هو الوسيلة الوحيدة التي تجعله قريبا من تفاصيل حياته السابقة التي ضاعت تحت الانقاض في لحظة غدر واحدة.
وتابع ان فقدان الصور والملابس والمقتنيات الشخصية لزوجته وابنائه كان اشد وطأة عليه من الدمار المادي للبيت. واوضح ان كل قطعة من الركام تمثل شاهدا على حياة كانت عامرة بالضحكات قبل ان تتحول الى صمت طويل لا يكسره الا صوت الاحفاد وهم يسألون عن آبائهم.
مسؤولية الابوة في حضرة اليتم
وكشف ابو اكرم عن طقوسه المسائية حيث يخصص وقتا يوميا ليحكي لاحفاده قصص آبائهم وكيف كانوا يعيشون وماذا يحبون. واضاف ان هدفه هو حماية الصغار من الفقد الثاني وهو فقدان السيرة والذاكرة بعد ان فقدوا الاجساد والبيوت.
واظهرت المشاهد اليومية للصغار وهم يلتفون حول جدهم مدى حاجتهم الملحة لهذا الحنان الذي يعوضهم عن غياب الاباء. واكد ان بعض الاحفاد يعانون من صدمات نفسية عميقة بعد ان شاهدوا عمليات القتل والنزوح التي تفتت لها قلوب الكبار فكيف بصغار لم يدركوا بعد معنى الحرب.
وبين ان قلبه يتقطع على الطفل عدي الذي فقد والديه ولا يجد في هذا العالم الا جده ليضمه ويطعمه بيده. واشار الى ان دموعه تنهمر كلما نظر في عيني هذا الطفل الذي يذكره بابنته الراحلة في كل لحظة.
عائلة تحمل وجوه المعاناة
واضاف ان عائلته لم تكتفِ بالشهادة فحسب بل طالتها يد الاعتقال حيث خاض ابنه عبد الله والحفيد يوسف تجارب قاسية في سجون الاحتلال. وشدد على ان خروجهم من الاسر لم يكن نهاية للالم بل بداية لمرحلة جديدة من التكيف مع فقدان الاهل والبيت والامن.
واكد ان صموده في المكان رغم التهديدات والظروف القاسية يعكس تمسك الفلسطيني بارضه ورفضه للرحيل مهما بلغت التضحيات. واشار الى ان كل يوم يمر عليه هو انتصار صغير على اليأس وهو محاولة لاثبات ان هذه العائلة لا تزال قائمة رغم كل المحاولات لمحو وجودها.
وختم ابو اكرم حديثه بانه سيظل يراقب احتياجات احفاده ويتابع طعامهم ويحفظ اسماءهم حتى يكتب الله له لقاء ابنائه في عالم اخر. واضاف ان عكازه سيبقى مرفوعا في وجه كل الصعاب ليكون رمزا لصمود جيل لم يعرف الا التحدي والمواجهة.
