أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ملخصا عن "التقرير الاستراتيجي الفلسطيني 2024-2025"، مبينا أن هذا الاصدار يأتي في ظل مرحلة مفصلية تاريخية تشهدها القضية الفلسطينية بعد معركة طوفان الاقصى، وفي ضوء تحديات ومخاطر كبرى تستدعي مراجعات ودراسات استراتيجية معمقة وبناء تصورات ناضجة لعبور المرحلة وتحقيق الاهداف.

ويغطي التقرير تطورات قضية فلسطين خلال عامي 2024-2025، في أكثر من 500 صفحة، بمشاركة 15 باحثا وأستاذا متخصصا، واشرف على التقرير الدكتور محسن محمد صالح.

والتقرير إصدار دوري يصدر عن المركز منذ عام 2005، ويعد أحد أبرز المراجع البحثية المتخصصة في الشأن الفلسطيني.

تحليل شامل لتطورات القضية الفلسطينية

ويقدم ملخص التقرير قراءة تحليلية شاملة، ويجيب بشكل مكثف ومختصر عن تساؤلات تتعلق بواقع ومستقبل الاوضاع الداخلية الفلسطينية، والمؤشرات السكانية والاقتصادية الفلسطينية، والارض والقدس والمقدسات، والمشهد الاسرائيلي الداخلي وأوضاعه السكانية والاقتصادية والعسكرية.

كما يسلط الضوء على عمليات المقاومة، فيرصد أعدادها وتطورها، ويعرض بشكل مفصل أداء المقاومة البطولي في قطاع غزة، كما يعرض المقاومة في الضفة الغربية، والأداء المقاوم والمواجهة مع اسرائيل في لبنان واليمن وإيران، ويوضح تضحيات المقاومة وبيئتها الشعبية وما أحدثه الاحتلال من مجازر جماعية ودمار وحشي.

ويكشف الخسائر الإسرائيلية، ويتوقف عند معاناة الأسرى والمعتقلين مبينا تطور أعدادهم وتوزعهم الجغرافي.

نظرة على التسوية السلمية والمواقف الدولية

ويتضمن الملخص أيضا مسار التسوية السلمية، ويناقش المواقف العربية والإسلامية والدولية من قضية فلسطين، إضافة إلى تطوراتها ومساراتها في أعقاب معركة طوفان الاقصى، كما يتضمن جداول ورسومات توضيحية تهم الباحثين والمهتمين بالشأن الفلسطيني، وخصوصا في مجالات السكان والاقتصاد فلسطينيا وإسرائيليا، مع الاشارة إلى أن بعض البيانات لا تزال أولية بانتظار تحديثها رسميا.

ومن المتوقع أن يصدر التقرير الاستراتيجي الفلسطيني 2024-2025 بشكله النهائي الكامل خلال الشهرين القادمين.

على الصعيد الداخلي يرصد ملخص التقرير تصاعد الانتقادات الموجهة لأداء السلطة الفلسطينية، في ظل استمرار العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة وتصاعد الانتهاكات في الضفة الغربية، ويشير إلى قرارات سياسية مثيرة للجدل أبرزها وقف مخصصات الاسرى والشهداء وإعادة ترتيب المواقع القيادية داخل منظمة التحرير والسلطة في سياق ما تصفه قيادة السلطة باجراءات اصلاحية وسط ضغوط اسرائيلية وغربية متواصلة.

تباين الرؤى حول مستقبل غزة

أما بشأن اليوم التالي لقطاع غزة فقد تباينت الرؤى الفلسطينية، إذ أعلنت السلطة استعدادها لتولي إدارة القطاع، بينما أبدت حركة حماس مرونة تجاه مقترحات تشكيل لجنة إسناد مجتمعي لإدارة غزة بعد الحرب، وهو مقترح لم يحظ بتوافق داخلي كامل، ويرجح الملخص استمرار التعقيدات السياسية خصوصا في ملف سلاح المقاومة في ظل تباعد المواقف وتواصل الضغوط الخارجية.

وفي موازاة ذلك تظهر استطلاعات الراي تقدما ملحوظا لحركة حماس وخيار المقاومة مقابل تراجع الثقة بالسلطة الفلسطينية، وتشير نتائج عدة استطلاعات إلى أن غالبية الفلسطينيين تطالب باصلاحات جذرية بل وباستقالة رئيس السلطة ما يعكس أزمة ثقة عميقة في بنية النظام السياسي القائم.

ورصد الملخص حراكا دبلوماسيا مكثفا خلال 2024 لاحياء المصالحة الفلسطينية، توج بما عرف بإعلان بكين برعاية صينية والذي نص على تشكيل حكومة وفاق مؤقتة وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني تمهيدا لانتخابات عامة، ورغم أهمية الاعلان سياسيا إلا أن تنفيذه تعثر بفعل الرفض الاسرائيلي والتحفظات الامريكية إضافة إلى استمرار الخلافات حول البرنامج السياسي وشروط الاعتراف الدولي.

أما مؤسسات منظمة التحرير فقد واجهت انتقادات متزايدة بسبب محدودية فاعليتها واستمرار حالة التفرد في اتخاذ القرار مع غياب فصائل رئيسية عن أطرها التمثيلية، وفي المقابل واصلت القيادة جهودها لتوسيع الاعتراف الدولي بدولة فلسطين التي بلغ عدد الدول المعترفة بها 159 دولة حتى نهاية 2025.

تطورات ديموغرافية في فلسطين والعالم

ويسجل الملخص تطورات سكانية لافتة، فقد بلغ عدد الفلسطينيين في العالم نهاية 2025 نحو 15.5 مليون نسمة أكثر من نصفهم 52.1% يعيشون في الشتات مقابل 47.9% في فلسطين التاريخية، ويقدر عدد اللاجئين الفلسطينيين بنحو 10.5 ملايين لاجئ أي قرابة 68% من مجموع الشعب الفلسطيني.

وفي سياق المقارنة الديموغرافية تشير التقديرات إلى أن عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية تجاوز عدد اليهود مع نهاية 2023 مع استمرار الفجوة بالاتساع تدريجيا حتى عام 2030 وفق إسقاطات سكانية تعتمد معدلات النمو الحالية.

وفي قطاع غزة خلفت الحرب خسائر بشرية جسيمة حيث قدر عدد الشهداء بنحو 77 ألفا خلال عامين إضافة إلى نحو 170 ألف جريح مع تهجير داخلي واسع وخروج عشرات الآلاف للعلاج أو نتيجة الظروف القاسية، ويشير الملخص إلى أن القطاع فقد نحو 10.6% من سكانه خلال الحرب مع محاولات إسرائيلية لخلق بيئة طاردة ديموغرافيا.

القدس والمقدسات تحت ضغط تهويدي متزايد

ويوثق ملخص التقرير انتقال عملية تهويد المسجد الاقصى إلى مرحلة متقدمة مع تكثيف الاقتحامات اليومية وفرض طقوس تلمودية بغطاء حكومي ووصول أعداد المقتحمين عام 2025 إلى أكثر من 73 ألفا، كما يرصد مسارا موازيا في المسجد الابراهيمي بالخليل حيث توسع تخصيص مساحات منه للمستوطنين.

وفي القدس ارتفع عدد الفلسطينيين إلى نحو 405 آلاف نسمة يشكلون قرابة 40% من سكان المدينة بشطريها، غير أن سياسات الهدم والتهجير خصوصا في الشيخ جراح وسلوان إضافة إلى مشاريع توسيع القدس الكبرى تهدف إلى تعديل الميزان الديموغرافي وفرض وقائع نهائية على الارض.

أما في قطاع غزة فقد دمر الاحتلال 93% من المساجد و66% من المقابر إضافة إلى كنائس تاريخية في سياق ما يصفه الملخص بمحاولة محو الهوية الدينية والتاريخية للشعب الفلسطيني.

انهيار اقتصادي في غزة والضفة

اقتصاديا يعرض الملخص صورة قاتمة خصوصا في غزة حيث انكمش الناتج المحلي الاجمالي عام 2025 بنسبة 84% مقارنة في عام 2023 وبلغت البطالة نحو 78%، وفي الضفة الغربية تراجع الاقتصاد بنسبة 13% مع بطالة وصلت إلى 28%.

وبلغ الناتج المحلي الاجمالي الفلسطيني عام 2024 نحو 16 مليار دولار منخفضا بنسبة 10.3% عن العام السابق مع فجوة هائلة مقارنة بالناتج الاسرائيلي الذي يزيد عنه بأكثر من 33 ضعفا.

كما يعتمد نحو 84% من إيرادات السلطة على أموال المقاصة والمنح الدولية ما يجعل القرار الاقتصادي رهينة اشتراطات سياسية وأمنية، ويستحوذ التبادل التجاري مع إسرائيل على 62% من إجمالي التجارة الخارجية الفلسطينية في ميزان مختل لمصلحة الاحتلال.

المقاومة مستمرة رغم العدوان المتصاعد

ويوثق الملخص استمرار المواجهة العسكرية خلال 2024-2025 مع تصاعد العمليات الإسرائيلية في غزة والضفة وامتداد المواجهة إلى جبهات لبنان وسورية واليمن وإيران، وقد شن الجيش الإسرائيلي نحو 20900 غارة خلال 2025 وحدها واستهدف آلاف المواقع.

في المقابل استمرت عمليات المقاومة الفلسطينية بأشكالها المختلفة وسجل جهاز الشاباك آلاف العمليات في الضفة الغربية خلال عامي التقرير فيما وثقت مراكز فلسطينية أرقاما أعلى تشمل المقاومة الشعبية والمسلحة وبلغ عدد الشهداء الفلسطينيين منذ 7 أكتوبر 2023 أكثر من 78 ألفا غالبيتهم في غزة.

ويخلص الملخص إلى أن الاحتلال فشل في تحقيق أهدافه الاستراتيجية المعلنة رغم الكلفة البشرية والمادية الهائلة فيما بقيت المقاومة قادرة على العمل حتى اللحظات الأخيرة من المواجهة.

استمرار الاستقطاب وتحديات المرحلة المقبلة

ويتوقع ملخص التقرير استمرار حالة الاستقطاب الداخلي الفلسطيني مع تصاعد الضغوط على السلطة وتواصل السعي الإسرائيلي لفرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة خصوصا في القدس والضفة الغربية، كما يرجح استمرار هشاشة الوضع الاقتصادي وربط أي تحسن بمدى استقرار التهدئة ورفع القيود الإسرائيلية.

وقد جاء في ختام ملخص التقرير الاستراتيجي الفلسطيني أن الأرقام مهما بلغت دقتها لا تختزل حجم المعاناة الإنسانية ولا تختصر ديناميات الصمود والمقاومة داعيا إلى قراءة شاملة تستند إلى المعطيات العلمية دون إغفال البعد الإنساني العميق للصراع المستمر.