مع حلول شهر رمضان المبارك، تزدان مساجد البحرين وتتحول إلى محطات إيمانية بارزة، جاذبةً المصلين من كل حدب وصوب، فبعد غروب الشمس، تكتسي المساجد حلة روحانية، وتنطلق فيها صلاة التراويح والتهجد، لتعكس بذلك التزام المجتمع البحريني بتعاليم الدين الإسلامي وقيمه السامية.
وتتجاوز أهمية المساجد في هذا الشهر الفضيل كونها أماكن للعبادة، إذ تصبح مراكز ثقافية واجتماعية، تحتضن مختلف الفعاليات الدينية والأنشطة الخيرية، وتمتد هذه الأجواء الروحانية من المنامة وصولا إلى الخميس والحد ومدينة حمد والمحرق، لتشمل جميع مناطق المملكة.
وتشهد ليالي رمضان في البحرين لقاءً مميزًا بين عبق التاريخ وجمال العمارة الإسلامية، حيث تضيء المساجد بأنوار الإيمان، وتتردد فيها آيات القرآن الكريم، لتجسد بذلك روح الشهر الفضيل وتجدد ذكرياته في قلوب المسلمين.
جامع احمد الفاتح: منارة إسلامية شامخة
يعد جامع مركز أحمد الفاتح الإسلامي، المعروف بجامع الفاتح الكبير، أكبر مساجد البحرين وأحد أبرز معالم العاصمة المنامة، ويرجع تاريخ افتتاحه إلى عام 1988 في منطقة الجفير.
ويتسع هذا الصرح الديني لأكثر من سبعة آلاف مصل، وقد سمي نسبة إلى الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة، أول حاكم للبحرين من أسرة آل خليفة.
وفي شهر رمضان، يتحول الجامع إلى وجهة رئيسية للمصلين من مختلف أنحاء المملكة، حيث تمتلئ أروقته الرحبة بالمصلين لأداء صلوات التراويح والتهجد، وتحت قبته الضخمة المصنوعة من الألياف الزجاجية، تتردد آيات القرآن في أجواء إيمانية مهيبة، ويؤم المصلين الشيخ علي صلاح عمر، المعروف بصوته المؤثر في تلاوة القرآن وحضوره المتميز في مجال حفظ وتجويد وتفسير كتاب الله الكريم.
الشيخ علي صلاح عمر: صوت بحريني متميز في سماء التلاوة
ويعتبر الشيخ عمر من أبرز القراء في البحرين، فهو يجمع بين الإمامة والتحفيظ، وتسجيل التلاوات القرآنية، مع تركيز خاص على التوعية الدينية والقرآنية بين الشباب والمجتمع.
ولد الشيخ عمر في مدينة الرفاع الشرقي في البحرين، وبدأ حفظ القرآن الكريم منذ صغره، حتى أتم حفظه كاملا في سن الخامسة عشرة في المسجد الحرام بمكة المكرمة، ما يعكس تعلقه العميق بكتاب الله منذ نعومة أظفاره.
واشتهر الشيخ بفوزه في مسابقة القارئ العالمي وحصوله على وسام العمل الوطني في مملكة البحرين، كما شارك في عدة مسابقات دولية ومحلية في تلاوة القرآن الكريم.
جامع يوسف بن احمد كانو: صرح ديني وتعليمي في مدينة حمد
وفي مدينة حمد، يشمخ جامع يوسف بن أحمد كانو، كأول مسجد شيد في المنطقة، محافظا على مكانته كمنارة للعبادة والعلم، ويتسع الجامع لأكثر من 1500 مصل.
وخلال شهر رمضان، يكتظ جامع يوسف بن أحمد كانو بالمصلين، خاصة في صلاة التراويح، وتزداد أعداد المعتكفين في العشر الأواخر لأداء صلاة التهجد.
وإلى جانب دوره التعبدي، يواصل الجامع رسالته التعليمية من خلال مركز تحفيظ القرآن لجميع الأعمار، بإشراف معلمين بلغات متعددة، ليجمع بين نور العبادة وهداية العلم.
الشيخ عبدالله طويرش العنزي: إمام يصدح بالقرآن في جامع كانو
ويؤم المصلين في المسجد الشيخ عبدالله طويرش صياح العنزي، القارئ البارز في مملكة البحرين، والذي يتميز بخشوع صوته وأدائه المتقن للقرآن الكريم، ويحظى بإقبال كبير من المصلين الذين ينتظرون تلاوته في ليالي رمضان والمناسبات الدينية.
وشارك العنزي في مسابقات حفظ وتلاوة القرآن الكريم بالبحرين، وحصل على مراكز متقدمة، منها المركز الثالث في جائزة البحرين الكبرى للقرآن الكريم، ويعرف بتميزه في التلاوة والتزامه بالخشوع، وإقبال المصلين على الصلاة خلفه، ويعد مثالا للقارئ البحريني الذي يجمع بين الصوت المؤثر والحضور الروحي في المساجد المحلية، ما يجعله شخصية معروفة في المشهد القرآني البحريني.
مسجد عقبة بن نافع: معلم تاريخي يتجدد في رمضان
وفي محافظة المحرق، يشهد مسجد عقبة بن نافع، ذلك المعلم الديني البارز، يوميا توافد المصلين لأداء الصلوات الخمس، ويزداد الإقبال خلال شهر رمضان المبارك على صلاة التراويح.
ويعد المسجد منشأة محلية حديثة ذات طابع معماري إسلامي يجمع بين الأصالة والحداثة، وتقدر قدرته الاستيعابية بحوالي 500 إلى 700 مصل، مع مرونة لاستيعاب المزيد خلال المناسبات الرمضانية وصلاة التراويح خلف إمام المسجد القارئ البحريني مصعب عيسى البوعركي، الذي أصبح اسمه مرتبطا بخشوع المصلين وإتقان الأداء القرآني في المسجد.
ولد البوعركي عام 1411هـ – 1990م، ودرس في مدرسة الهداية الخليفية الثانوية للبنين بالمسار العلمي الموحد، ثم حصل على بكالوريوس في هندسة الحاسب الآلي من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.
مصعب البوعركي: صوت يتردد في مسجد عقبة بن نافع
أما شغفه بالقرآن الكريم، فقد بدأ منذ الصغر، إذ أتم حفظ كتاب الله في سن السابعة عشرة، قبل أن يواصل تلقي علوم القراءات على يد عدد من كبار مشايخ الإقراء، كما تعمق في القراءات العشر من طريق الشاطبية والدرة.
وخلال رمضان، يتحول مسجد عقبة بن نافع إلى فضاء روحاني نابض بالحياة، حيث يتوافد المصلون خلف القارئ البوعركي ليعيشوا تجربة صلاة تراويح فريدة، تمتزج فيها خشوع القلوب مع أصداء الآيات، في مشهد يعكس جمال الموروث القرآني البحريني وروحانية الشهر الفضيل.
مسجد الخميس: أقدم مساجد البحرين يستقبل المصلين
وعلى بعد نحو 4 كيلومترات من العاصمة المنامة يقع مسجد الخميس في قرية الخميس شمالي المملكة، ويعد أقدم مسجد في البحرين، حيث يعود بناؤه إلى العهد الأموي في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز، ويتميز بطابعه الأثري العريق، ما يجعله مقصدا للمصلين والزوار، خاصة في رمضان، حيث تتجدد فيه شعائر الصلاة وتستحضر ذاكرة قرون من العبادة.
وتحت مئذنتيه المتناظرتين، يرتفع الأذان في ليالي الشهر الكريم، فيمتزج عبق التاريخ بخشوع التراويح، ليبقى شاهدا على عمق الجذور الإسلامية في البحرين كما تزداد الأعداد في التراويح لتتراوح تقديريا بين 500 إلى 1,000 مصل بحسب الليلة والمناسبة، حيث تمتلئ ساحاته بروحانية خاصة تمتزج بعبق التاريخ.
مسجد نادي الحد: ملتقى ديني واجتماعي في المنطقة الشرقية
ويبرز اسم مسجد نادي الحد في المنطقة الشرقية من مملكة البحرين، وتحديدا في منطقة الحد بمحافظة المحرق، كأحد المساجد التي شكلت منذ افتتاحها عام 2001 نقطة ارتكاز دينية واجتماعية لأهالي الحي، حيث إنه منذ أكثر من عقدين، أصبح المسجد معلما مألوفا في ذاكرة السكان وفضاء يوميا يجتمع فيه المصلون على الصلوات الخمس، وتلتقي فيه الأجيال في مشهد يعكس روح الحي وتماسكه.
ويتسع المسجد لنحو 700 مصل، وهو ما يجعله قادرا على استيعاب الأعداد المتزايدة خلال المواسم الدينية، خصوصا في شهر رمضان المبارك، حيث تتضاعف الحركة فيه بشكل لافت وفى رمضان تمتلئ أروقته بالمصلين من مختلف الأعمار لأداء صلاتي التراويح والتهجد في أجواء إيمانية يغلب عليها الخشوع والسكينة.
كما تمتاز ليالي رمضان فيه بطابع أسري حميمي، إذ تحرص عائلات الحي على الحضور الجماعي، فيتحول المسجد إلى مساحة جامعة تعكس عمق الروابط الاجتماعية بين السكان.
