في زاوية من زوايا حي الزيتون المتربة جنوب شرق غزة، يتأمل جواد بدوان منزله الذي تحول إلى ركام، بينما يراقب المارة الذين يحملون أوعية بلاستيكية، وكأنهم يحملون ما تبقى من حياتهم.
لم يكن بدوان، وهو في منتصف الأربعينات، يتصور أن يصبح حيه العريق مساحة عطش مفتوحة، وأن يتحول الحصول على الماء إلى معركة يومية ضد الإهمال والغياب.
يقول بدوان بصوت يملؤه التعب: "معاناتنا هنا تكمن في ندرة المياه، فلا توجد جهة رسمية تزور الحي، رغم أنه من أقدم الأحياء وأكثرها اكتظاظا بالسكان".
معاناة مضاعفة في حي الزيتون
يحدق بدوان في الأفق الشرقي، حيث يمتد ما يطلق عليه "الخط الأصفر"، مبينا أنهم يعيشون في حالة من الألم والمرارة، فالمياه لا تصلهم، والتكيات الخيرية غائبة، وحتى الخبز غير متوفر، مؤكدا أن أدنى حقوق المواطن الأساسية مفقودة هنا.
يروي بدوان كيف يضطر السكان للمشي مسافات طويلة للحصول على الماء، موضحا أن من يتمكن من جلبه يفعله على نفقته الخاصة وبجهوده الشخصية.
واضاف أن صهاريج المياه تصل أحيانًا، لكنها لا تكفي أحدًا، وقد يظل الحي أسبوعًا أو أكثر دون قطرة ماء، مما يضطر الشباب للتوجه إلى مناطق محطات التحلية البعيدة لملء أوعية صغيرة، سعة 10 أو 15 لترًا، ثم يبتسم بمرارة: "هذه الكمية لا تكفي عائلة ليومين".
غياب التكيات الخيرية
اما عن دور التكيات الخيرية، فيؤكد بدوان أنها لا تصلهم، وكل ما يشهده الحي هو جهود فردية لمبادرين يتنقلون دون مقابل منذ بداية الحرب، مشيرا الى انه لم تصلهم سوى مؤسسة واحدة هي الأونروا، التي وزعت كميات محدودة من طرود النظافة.
ثم يتنهد قائلا: "هذا الحي مهمش بشكل كبير، وسكانه يعانون معاناة شديدة، ورغم كثرة المبادرات، فإنها بلا نتائج ملموسة أو ثمار حقيقية، نسأل الله أن يهون علينا هذا المصاب".
لم يكن يومًا عاديًا في حي الزيتون، حيث خرج عشرات الفلسطينيين إلى الشارع، قرب مفترق مسجد صلاح الدين الأيوبي في الجزء الشرقي من الحي، في وقفة احتجاجية تطالب بتدخل عاجل لمعالجة "التدهور الحاد في الأوضاع الإنسانية والخدمات الأساسية" بفعل الدمار الواسع الذي خلفته حرب الإبادة الإسرائيلية.
الخط الأصفر شبح يخيم على الحي
تجمع المحتجون وسط مبان مدمرة وأخرى متصدعة، رافعين لافتات تطالب بتوفير مياه الشرب، وإصلاح شبكات الصرف الصحي، وإزالة الركام والنفايات، وضمان وصول المساعدات الغذائية والطبية بشكل منتظم وعادل.
الحي الذي كان يومًا قلبًا نابضًا بالأسواق والمدارس والمساجد، بات اليوم محاطًا بالأنقاض، وتقطعه حواجز الخوف، فقربه مما يعرف بالخط الأصفر جعله عرضة للقصف اليومي، وجعل كثيرًا من الجهات تتردد في الوصول إليه، فصار سكانه عالقين بين هدنة هشة وواقع لا يشبه السلام.
إبراهيم الشمالي (52 عاما) يقف قرب ركام منزله ويشير بيده نحو الشرق قائلًا: "نحن الآن في حي الزيتون، أحد أكبر وأعرق أحياء مدينة غزة، وبحكم قربنا من الخط الأصفر، أصبحنا من أكثر المناطق تهميشًا واستهدافًا".
تهميش واستهداف مستمر
يتحدث الشمالي بمرارة من يشعر أنه يعيش على هامش الخريطة، ويناشد المؤسسات الدولية والجهات المعنية والمؤسسات الخدمية واللوجستية أن يتذكروهم وينظروا إليهم بعين الرحمة، فهم يعيشون تهميشا كاملا ولا أحد يتفقد أحوالهم.
واكد الشمالي أن المياه غير متوفرة للشرب، ولا توجد مقومات للحياة الكريمة، ويطالب البلديات والطواقم الطبية بالحضور وإنشاء مستشفيات ميدانية ونقاط طبية متنقلة.
لا يكتفي إبراهيم بالمطالبة بالمياه العذبة للشرب، بل يشدد أيضًا على ضرورة توفير مياه للغسيل والاستحمام، مبينا أن النظافة ليست رفاهية، بل ضرورة صحية، متمنيا أن ينظروا إلى حالهم بعين الإنسانية وألا يتركوهم للنسيان، فهم يشعرون بأنهم منسيون تمامًا في هذا الحي.
كارثة إنسانية وبيئية
ويتابع بنبرة تجمع بين الرجاء والعتب: "لا أحد يزور منطقتنا بسبب قربها من الخط الأصفر، لا أحد يسأل عنا، ولا أحد يتفقد احتياجاتنا، حتى في الهدنة، لا نشعر أننا داخلها".
المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، يصف حي الزيتون بأنه من أكثر المناطق تضررًا خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، مشيرًا إلى أن الدمار طال نحو 90% من مباني الحي، وفق تقديرات أولية.
واضاف بصل أن الأرقام هنا ليست مجرد نسب؛ إنها منازل سقطت، وعائلات فقدت جدرانها، والبنية التحتية تعرضت لتدمير واسع، والمنطقة تعاني من تراكم النفايات وطفح الصرف الصحي، إلى جانب وجود جثامين لا تزال تحت الأنقاض في بعض المواقع لعدم توفر الإمكانات اللازمة لانتشالها.
دعوات لإنقاذ ما تبقى
وتابع بصل أنهم أمام كارثة مركبة: كارثة إنسانية وبيئية وصحية، موضحا أن بعض المنازل المتبقية باتت آيلة للسقوط، ما يشكل خطرًا دائمًا على السكان، وقد سجلت حالات وفاة نتيجة انهيارات وبسبب الظروف القاسية.
ودعا بصل المجتمع الدولي والمنظمات الأممية إلى تدخل عاجل، معتبرا أن إعادة الإعمار تمثل المدخل الأساسي لتخفيف معاناة السكان، لكن الإعمار، في حي الزيتون، يبدو كلمة بعيدة عن واقع الماء المفقود وفق ما يشعر به سكانه.
سليم دلول (60 عاما) يتحدث بلهجة الأب الذي يحمل هم الحي كله: "نحن أبناء حي الزيتون الصامد، هذا الحي الذي دمر فوق رؤوس ساكنيه، ومع ذلك ما زلنا صامدين وباقين في أرضنا".
تجاهل المؤسسات الدولية
يشير دلول إلى البيوت المهدمة حوله ويضيف: "يؤسفنا أن جميع المؤسسات الدولية وغير الدولية تهمش حي الزيتون، ولا نعلم إن كان ذلك عن قصد أم غير قصد، إلا أن التهميش بحقنا كامل ومطبق".
واكد دلول أن نحو 200 ألف نسمة يقطنون في بيوتهم لا تصلهم أي مساعدة من أي جهة كانت، مبينا أن المساعدات قد تقدم لبعض المخيمات أو مراكز الإيواء، ولكن هناك أناس بقوا في بيوتهم رغم الدمار، وهؤلاء لا يراهم أحد.
وطالب دلول بنظرة عطف حقيقية تجاه أبناء الحي الذين يحتاجون إلى مساعدات عينية ومالية وخدمات أساسية، مؤكدا وجود تقصير واضح في الخدمات.
مقترحات لتوصيل المساعدات
كما طالب دلول المسؤولين المحليين بتوفير الخدمات أولًا، ثم تقديم المساعدات، مشيرًا إلى أن قوافل المساعدات تمر أحيانًا من محيط الحي دون أن تتوقف، ويقترح حلا بسيطا: "إذا كانت المؤسسات تخشى الوصول إلى الحي، فبإمكانها إرسال المساعدات إلى أي نقطة قريبة، وسيتوجه أبناء الحي لاستلام حصصهم بأنفسهم".
وفي ختام حديثه، يرفع دلول بصره إلى السماء: "أمنيتي أن يعيش أبناء حي الزيتون بسعادة وهناء، وأن يكفيهم الله ما هم فيه من هم وغم في ظل استمرار الحرب، القذائف تنهمر علينا يوميا، وهذا وحده يكفي، أنا لا أتحدث عن نفسي، ولكني أتحدث بلسان حال أبناء حي الزيتون المنكوبين".
يعد حي الزيتون من أكبر أحياء مدينة غزة وأكثرها كثافة سكانية، ويواجه سكانه تحديات متزايدة في ظل الدمار الواسع ونقص الموارد، الحي الذي كان يومًا مساحة حياة مكتظة، صار اليوم مساحة اختبار لقدرة الناس على الصمود في غياب الخدمات.
أرقام مأساوية
وخلال عامين من الإبادة الإسرائيلية في غزة، استشهد نحو 72 ألف فلسطيني وأكثر من 172 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، ودمار طال 90% من البنية التحتية المدنية، هذه الأرقام لا تعني الزيتون وحده، لكنها في الزيتون تأخذ شكلا مضاعفا بفعل القرب من خطوط التماس.
ورغم سريان اتفاق وقف النار منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تخرق إسرائيل الاتفاق يوميا، ما أدى إلى استشهاد نحو 650 فلسطيني، كما تمنع إدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الإنسانية إلى غزة، حيث يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني، بينهم 1.5 مليون نازح، أوضاعًا كارثية.
في الزيتون، لا يطلب الناس أكثر من ماء يصل، ونقطة طبية قريبة، وصهريج يتوقف عند باب الحي، يطلبون أن يذكر اسمهم في خرائط المساعدات، وألا يبقوا على هامش الجغرافيا، بين الأنقاض والعطش، يحاول الحي أن يكتب قصته بصوت مرتفع: هنا بشر، وهنا حياة تستحق أن تنقذ.
