في مشهد يعكس معاناة الفلسطينيين اليومية، تجد أم عدنان الستينية نفسها عالقة في مركبة ابنها عند حاجز دير شرف غربي نابلس، شمال الضفة الغربية، بانتظار إشارة من جنود الاحتلال لعبور نقطة التفتيش. رحلتها، التي بدأت من بلدتها عتيل في محافظة طولكرم إلى مستشفى النجاح الجامعي في نابلس بسبب انخفاض حاد في مستوى السكر في الدم، تحولت إلى كابوس من الانتظار لساعات.

الرحلة التي كان من المفترض أن تستغرق نصف ساعة، امتدت لأكثر من ساعتين بسبب إغلاق الحاجز من قبل جنود الاحتلال وتفتيشهم الدقيق للمركبات والشاحنات. هذا المشهد يتكرر يوميا، خاصة مع تصاعد التوترات.

بصعوبة بالغة، تحدثت أم عدنان عن لحظات الانتظار القاسية، قائلة: "الوقت لا يمضي على الحاجز، كأنني مكثت يوما كاملا هنا، ويستلذ جنود الاحتلال في تعذيبنا". واضافت وهي تنهد "أنا مريضة بالسكري، وخرجت من المستشفى لأرتاح في منزلي لكني عالقة هنا منذ ساعات".

حياة تحت الحصار: تفاصيل المعاناة اليومية

ومع تصاعد التوترات، سارع جيش الاحتلال إلى إغلاق الضفة الغربية بشكل كامل، وقطع الطرق الرابطة بين المدن الرئيسية والقرى، وذلك بإغلاق ما يقارب 1000 حاجز وبوابة عسكرية. واكدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية أن حتى تصوير الحواجز أصبح تهمة تطال الصحفيين.

على حاجز دير شرف، تزداد أعداد المركبات الفلسطينية مع اقتراب موعد الإفطار، بينما تتعمد قوات الاحتلال تشديد الإجراءات. وبعد سماع الأذان من مكبرات الصوت، يضطر الفلسطينيون لكسر صيامهم بما تيسر من الماء أو العصير، أو بشراء وجبات سريعة من البسطات القريبة.

شاهر يامين، وهو من نابلس ويوزع عصير التمر الهندي على حاجز دير شرف منذ بداية شهر رمضان، بين أن الناس تفطر بشكل يومي هنا على الحاجز، والأوضاع صعبة جدا، فإغلاق بوابة دير شرف يسبب أزمة خانقة. وأشار إلى أن الجنود يفتحون البوابة بشكل مفاجئ قبل دقائق قليلة من موعد الأذان، ثم يعيدون إغلاقها فورا، مما يضاعف معاناة الناس.

رمضان خلف الأسوار: قصص من قلب المعاناة

محمد دويك، وهو تاجر من الخليل يزور نابلس باستمرار، وصف لحظات انتظاره على الحاجز قائلا: "أين تجد في كل العالم صائما محتجزا وراء بوابة عسكرية يفطر مجبرا في الشارع؟ هذا يحدث هنا فقط". وأضاف أن إجراءات الاحتلال زادت بشكل كبير خلال شهر رمضان، حيث تغلق الحواجز بشكل متعمد في أوقات حساسة كموعد الإفطار.

وحول نابلس، ينصب الاحتلال الإسرائيلي 10 حواجز عسكرية ثابتة وأخرى متحركة، وما لا يقل عن 20 بوابة يعزل ويغلق بها عشرات القرى في المحافظة. وتقول الأمم المتحدة إن البوابات العسكرية وغيرها من العوائق تقيد حرية حركة الفلسطينيين والوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم.

كما تجبر الحواجز العسكرية والبوابات السكان الفلسطينيين على سلوك طرق بديلة طويلة، فتحولت رحلة من 20 دقيقة إلى ساعات. هذا الواقع المرير يزيد من صعوبة الحياة اليومية للفلسطينيين، خاصة في شهر رمضان.

مبادرات إنسانية: بصيص أمل في وجه المعاناة

على الطريق الواصل بين مدينتي جنين ونابلس، وقفت مجموعة متطوعة من الهلال الأحمر الفلسطيني لتوزيع التمر والماء على الفلسطينيين العالقين. علاء بزاري، أحد المتطوعين، كشف أن مستوطنا حاول قبل أيام دهس عدد من المتطوعين أثناء عملهم على الطريق.

واضاف علاء "نحن هنا منذ عشرة أيام لتوزيع الماء والتمر على المارين الذين تقطعت بهم السبل بسبب إغلاق الحواجز. نشهد أيضا إغلاقات للطريق من قبل المستوطنين وأعمال تهديد بشكل شبه يومي".

وبحسب بزاري، توزع المجموعة يوميا ما بين 200 و270 كوب ماء على السائقين والمركبات المارة على طريق جنين-نابلس. هذه المبادرات تخفف من وطأة المعاناة، لكنها لا تحل المشكلة الأساسية.

رمضان في الضفة: بين التقاليد والحواجز

يضطر سكان محافظة جنين، إلى المرور عبر 3 حواجز للوصول إلى مدينة نابلس، أكبر مركز اقتصادي وتعليمي بشمال الضفة. ومنذ اندلاع المواجهة العسكرية، تغلق إسرائيل حاجز حومش بشكل كامل وتمنع مرور أي فلسطيني من خلاله.

يقول محمد الصيفي من قرية الفندقومية جنوب جنين، الذي سلك طريقا بديلا للخروج من جنين، إن معاناته اليومية للوصول إلى نابلس أقل من معاناة غيره من القادمين من رام الله إلى جنين. وأضاف أنهم يواجهون عددا كبيرا من الحواجز على الطريق.

ويعتبر الفلسطينيون شهر رمضان مناسبة للتجمعات العائلية وصلة الرحم وإقامة موائد الإفطار الجماعية وإحياء عادات وطقوس تراثية. غير أن الإغلاقات الإسرائيلية الأخيرة حدت من هذه التجمعات.

الحواجز تسرق الحياة: شهادات من قلب الحدث

عبد الرحمن إبراهيم من رام الله، بين أنه لم يستطع الاجتماع مع أخواته الثلاث منذ بداية رمضان، مضيفا "رتبت دعوة عائلية على الإفطار مرتين منذ بداية الشهر، لكنني لم أصل في الموعد في أي مرة".

ويعمل عبد الرحمن في توريد البضائع إلى متاجر بيع الإطارات ومستلزمات السيارات، ويتنقل بين عدة مدن في الضفة الغربية. وقال "أخرج صباحا من رام الله إلى طولكرم وطوباس وأحيانا نابلس، لكنني أمضي يوميا ما لا يقل عن 4 ساعات على الحواجز فقط، غير وقت الطريق نفسه".

واختتم عبد الرحمن قائلا: "الحواجز سرقت منا حياتنا، وليس فقط وقتنا، فإغلاق المدن والقرى بالبوابات الحديدية يعني تحويلها إلى معتقلات، وحرمان الفلسطينيين من التواصل مع بعضهم، فالبلدات أصبحت معزولة عن بعضها بكل معنى الكلمة".