حذر خبراء تربويون ونفسيون من تنامي ظاهرة استخدام الاطفال للهواتف الذكية والاجهزة اللوحية دون رقابة اسرية، مبينين ان هذه الممارسات تعرض الصغار لمخاطر نفسية وسلوكية جسيمة، خاصة في ظل انتشار العاب الكترونية تحمل محتوى غير مناسب لاعمارهم.
وكشفت دراسة اردنية حديثة شملت 807 من الاباء ان 61.3% من الاطفال يستخدمون الاجهزة الذكية بمفردهم دون اي اشراف او متابعة من الاهل، في مؤشر يعكس فجوة رقمية واسعة داخل الاسر الاردنية.
وفي هذا السياق، اكد نائب رئيس الجامعة الهاشمية الاستاذ صادق شديفات ان الرقابة الاسرية لم تعد خيارا ثانويا بل اصبحت ضرورة تربوية ملحة لحماية الاطفال في الفضاء الرقمي، مشيرا الى ان الاطفال في سن مبكرة لا يمتلكون القدرة الكافية على التمييز بين المحتوى المفيد والضار، ما يجعل متابعة الاهل لسجل التصفح وارشيف البحث وسيلة وقائية اساسية.
مخاطر الاستخدام المفرط للاجهزة الذكية
واضاف شديفات ان وضع قواعد واضحة لتنظيم استخدام الاجهزة مثل تحديد اوقات الاستخدام والاستفادة من ادوات الرقابة الابوية يسهم في تقليل المخاطر الرقمية ويمنح الاهل قدرة اكبر على توجيه ابنائهم، لافتا الى ان هذه المتابعة يمكن ان تتحول الى فرصة تربوية لتعزيز الحوار الاسري حول الاستخدام الامن للتكنولوجيا.
من جهته، قال مساعد رئيس جامعة الزرقاء الخاصة رضا المواضية ان خطورة بعض الالعاب الالكترونية تكمن في طبيعتها الخادعة، حيث ان تصميمها الكرتوني والوانها الجذابة قد يدفع الاطفال الى تجربتها دون ادراك لطبيعة محتواها الحقيقي وتاثيرها النفسي الشديد.
واوضح المواضية ان لعبة Doki Doki Literature Club على سبيل المثال تتحول بشكل مفاجئ من قصة هادئة الى دراما سوداوية تتناول موضوعات نفسية حساسة ومعقدة، تتضمن مشاهد رعب مفاجئ تحتوي على لقطات صادمة ومخيفة بصريا تظهر دون سابق انذار، الى جانب مناقشتها افكارا تتعلق بالاكتئاب الحاد والقلق، ومشاهد تشير بوضوح الى الانتحار وايذاء النفس.
توصيات لمواجهة تحديات الالعاب الالكترونية
ودعا المواضية الاهل والمربين الى ضرورة متابعة المحتوى الرقمي الذي يستهلكه الابناء، والتاكد من اختيار الالعاب التي تتوافق مع الفئة العمرية والصلابة النفسية للطفل.
وفي هذا الاطار، استذكر الخبراء تحذيرات مديرية الامن العام من المخاطر المحتملة لهذه اللعبة، حيث اشارت المديرية الى ان التعرض لمثل هذا النوع من المحتوى قد يسبب الخوف والقلق والتوتر لدى الاطفال والمراهقين، وينعكس على سلوكهم النفسي والحياتي.
ودعت المديرية اولياء الامور الى منع هذه اللعبة او تنزيلها على الهواتف الذكية والاجهزة الالكترونية، ومراقبة كل ما يتم تحميله او مشاهدته، اضافة الى تعزيز لغة الحوار مع الابناء حول الاستخدام الامن للانترنت والالعاب الالكترونية.
دور الاسرة في حماية الاطفال رقميا
من جانبه، قال استاذ الطفولة المبكرة في جامعة البلقاء التطبيقية زيد الكوري ان مرحلة الطفولة المبكرة تعد من اكثر المراحل حساسية في تشكيل شخصية الطفل، محذرا من ان الاعتماد المفرط على الاجهزة الرقمية قد يقلل من فرص التفاعل الاجتماعي واللعب الحر، وهما عنصران اساسيان في نمو الطفل المعرفي والانفعالي.
واوضح الكوري ان المشكلة لا تكمن في وجود التكنولوجيا بحد ذاتها بل في طبيعة استخدامها، داعيا الاهل الى ضرورة المشاركة والمتابعة وفهم نوعية المحتوى الذي يتعرض له الطفل، بدلا من الاكتفاء بتحديد مدة الاستخدام فقط.
وفي الجانب النفسي، شددت حنان العمري على ان الطفل الذي يقضي ساعات طويلة امام الشاشة دون توجيه يعيش في عالم افتراضي يفوق قدرته العمرية على الفهم والتحليل، مشيرة الى دراسات نفسية حديثة تربط بين الافراط في استخدام الاجهزة وارتفاع معدلات التوتر واضطرابات النوم وضعف التركيز لدى الاطفال.
تحديات العصر الرقمي وتأثيرها على الاطفال
واضافت ان الخطورة تبرز بشكل اكبر عندما يتعرض الاطفال لالعاب او تحديات رقمية ذات ابعاد نفسية ضاغطة، خاصة في ظل الاستخدام الفردي للاجهزة وغياب المتابعة الاسرية.
بدورها، وصفت نور عبد الغني انتشار الهواتف الذكية بين الاطفال بانه ظاهرة مقلقة تستدعي وقفة جادة من الاهل والمجتمع، مؤكدة ان ترك الطفل لساعات طويلة امام شاشة الهاتف دون رقابة لا يعرضه فقط للادمان الرقمي بل قد يفتح امامه ابواب محتوى غير مناسب لعمره.
واشارت عبد الغني الى ان التحذيرات الرسمية من بعض الالعاب الالكترونية تكشف حجم التحدي الذي يواجهه الاهالي في ظل الانتشار الواسع للاجهزة الذكية بين الصغار، حيث لم يعد الامر مجرد تسلية رقمية بل قد يتحول الى تاثير مباشر على نفسية الطفل وسلوكه.
واجمع الخبراء على ان حماية الاطفال في العصر الرقمي لا تعني حرمانهم من التكنولوجيا بل مرافقتهم فيها بوعي ومسؤولية، من خلال المتابعة والحوار وتعليم الطفل مهارات الامان الرقمي، وتحديد اوقات استخدام واضحة ومتوازنة، وتعزيز الانشطة البديلة مثل القراءة والرياضة التي تنمي مهارات الطفل وتحصنه فكريا ونفسيا.
