بين أزقة نابلس القديمة، يعرض "أبو شاهين" بضاعته المتنوعة من الخضار الموسمية، صوته المعهود يتردد في المكان، لكن هذا العام، يختلف المشهد، فالحركة خافتة والإقبال ضعيف، رغم اقتراب نهاية شهر رمضان وعيد الفطر، اللذين عادة ما يشهدان انتعاشا في الأسواق.
ويصف أبو شاهين المشهد بكلمة بسيطة: "فِش إجر"، معبرا عن قلة الزبائن وتراجع الحركة التجارية، وتزامنا مع تصاعد التوترات الإقليمية وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، بدأ القلق يتسلل إلى سلوك المستهلكين في الأسواق الفلسطينية.
واعتاد أبو شاهين على بيع الخضار الموسمية، لكنه يرى أن الخوف من المستقبل جعل الناس يمسكون عن الشراء، مفضلين الاحتفاظ بالمال تحسبا لأي طارئ.
الخوف من المجهول يدفع لتقليص الإنفاق
ويصف أبو شاهين حال الناس بـ"التعيس"، مبينا أن الخوف من المجهول دفع كثيرين إلى تقليص إنفاقهم، ويعبّر عن ذلك بأسلوبه البسيط: "الناس تخوّفت وضبّت جيبتها وتجبجبت"، أي أنهم يمسكون أيديهم عن الشراء ويفضّلون الاحتفاظ بالنقد تحسبًا لأي طارئ، ما انعكس على تراجع واضح في حركة البيع والشراء.
ورغم تهافت البعض لتخزين المواد التموينية تحسبًا لأي تطورات، يقف أبو شاهين خارج هذه الحسابات، فهو لم يحاول تموين منزله، لا لعدم اقتناعه، بل لأن ظروفه المعيشية لا تسمح بذلك، كونه يعتمد على ما يجنيه يومًا بيوم من بيع الخضار، الذي بالكاد يؤمن احتياجات أسرته، ولا يملك فائضًا لشراء مخزون إضافي.
ويضيف "إحنا عايشين يوم بيوم"، في إشارة إلى واقع اقتصادي يجبر كثيرًا من الأسر على الاكتفاء بالاحتياجات اليومية دون التفكير في التخزين أو الادخار.
أزمة الرواتب تزيد الضغوط على الأسر
من جهتها تقول منى الأغبر، وهي موظفة حكومية، إن تزامن شهر رمضان واقتراب عيد الفطر مع استمرار التوتر والحرب في المنطقة ضاعف من الضغوط المعيشية على كثير من الأسر الفلسطينية.
واضافت في حديثها "هذه الفترة يفترض أن تكون مليئة بالمصاريف والالتزامات العائلية، إلا أن الظروف الاقتصادية الحالية، وعلى رأسها أزمة الرواتب، جعلت إدارة النفقات أكثر صعوبة من أي وقت مضى"
وأوضحت أن عدم انتظام صرف الرواتب دفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها داخل المنزل، والاقتصار على الحد الأدنى من متطلبات رمضان، "أقتصر على شراء أصناف أساسية فقط وبكميات محدودة، مع الاحتفاظ بقدر بسيط منها تحسبًا لأي طارئ، حتى أتمكن في المقابل من توفير جزء من المال لشراء ملابس العيد لأطفالي الثلاثة.
الحواجز الإسرائيلية تعيق الحركة التجارية
ومنذ اندلاع الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران ورد الأخيرة بصواريخ على إسرائيل وعدد من الدول العربية، عادت مدينة نابلس، كسائر مدن الضفة الغربية، لتواجه واقعًا يتكرر مع كل تصعيد، يتمثل في تشديد الإجراءات العسكرية الإسرائيلية حولها.
وساهم الحصار الميداني الذي تفرضه قوات الاحتلال على مداخل المدينة في تفاقم حالة الركود في الأسواق، وفق عدد من التجار، تحدثوا.
ويعتمد اقتصاد مدينة نابلس بدرجة كبيرة على المتسوقين القادمين من القرى والبلدات المجاورة، أو ما يُعرف محليًا بـ"الإجر الغريبة"، في إشارة لمن هم من خارجها والذين يقصدون المدينة عادةً للتسوق والاستفادة من تنوع السلع وأسعارها المناسبة، غير أن الإغلاقات المتكررة للحواجز العسكرية حدّت بشكل كبير من قدرة هؤلاء على الوصول.
ويضرب أبو شاهين مثلا بإغلاق حاجز بيت فوريك شرق المدينة لعدة أيام متتالية، ما أدى إلى عزل عدد من القرى عن نابلس ومنع المتسوقين من دخولها، ويرى أن استمرار هذه الإجراءات، إلى جانب التضييق على حركة التنقل بين القرى والمدينة، يشكلان سببين رئيسيين وراء حالة الركود غير المسبوقة التي تشهدها الحركة التجارية في الأسواق.
يستمر الركود الاقتصادي العام والشامل في محافظة نابلس وفلسطين بشكل عام رغم اقتراب شهر رمضان من نهايته، وهو موسم ينتظره التجار لتحقيق أفضل المبيعات حسب تاجر الملابس أيمن المصري.
ويعاني المواطن الفلسطيني انخفاضا ملموسا في قدرته الشرائية حتى قبل التصعيد الأخير، نتيجة أزمات متراكمة تشمل تذبذب صرف رواتب الموظفين وتوقف معظم العمال عن العمل في الداخل المحتل.
تكدس البضائع وتراجع المبيعات
ويضيف المصري أن هذا التحول يعكس حالة عدم اليقين مع تعطل حركة المواطنين وإغلاق الحواجز والمعابر، مما دفع الناس إلى تأمين احتياطي من المواد الغذائية داخل منازلهم، بينما تراجعت معدلات الإقبال على السلع غير الأساسية.
وعلى عكس المخاوف المعتادة من نقص السلع، يوضح بعض التجار أن هاجسهم الأساسي يكمن في قدرتهم على الاستمرار ماليًا في ظل الركود، فمع تراجع حركة الشراء تتكدس البضائع الثانوية، مما يجمد جزءًا من رؤوس أموالهم ويعطل دورة التجارة، وفق المصري.
ويصف المصري المخزون في الأسواق بأنه يسير في اتجاهين متعاكسين؛ فالمواد الغذائية والتموينية معرضة للنقص في حال استمرار الإقبال عليها وتعثر دخول الإمدادات، في حين تواجه قطاعات التجزئة المرتبطة بالسلع الكمالية تكدسا واضحا في البضائع، نتيجة تركيز المستهلكين على تأمين احتياجاتهم الأساسية.
بوادر انتعاش سرعان ما تلاشت
من جهته يقول الناطق باسم الغرفة التجارية في نابلس ياسين دويكات إن صورة الأسواق اليوم تختلف عمّا كانت عليه قبل أسابيع قليلة، حين شهدت المدينة بوادر انتعاش تجاري قبيل شهر رمضان.
وأضاف أنه مع تراجع حدة التوتر آنذاك وتخفيف القيود على الحواجز العسكرية المحيطة بالمدينة، تدفقت أعداد كبيرة من المتسوقين من القرى المجاورة ومن فلسطينيي الداخل المحتل، الذين يشكّلون ركيزة أساسية للحركة التجارية في كثير من مدن الضفة.
غير أن هذا النشاط لم يدم طويلا، إذ سرعان ما تبدل المشهد مع بدء الهجوم على إسرائيل، وما رافقه من تداعيات أمنية واقتصادية ألقت بثقلها على الأسواق المحلية، وفق الناطق باسم الغرفة التجارية.
مخزون كاف من السلع الأساسية
يواجه التجار اليوم خسائر كبيرة بعد أن ضخوا أموالا كبيرة استعدادا لموسم رمضان وعيد الفطر؛ رفوف المتاجر ممتلئة بالملابس والأحذية والإكسسوارات والحلويات والمكسرات، إلا أن خوف المستهلكين أدى إلى عزوف شبه تام عن الشراء، مما دفع التجار إلى تقديم عروض وتنزيلات ضخمة في محاولة لتحصيل أي سيولة تمكنهم من الوفاء بالتزاماتهم المالية، حسب دويكات.
ويقول دويكات: "التاجر اليوم يعيش ضغوطا مزدوجة، بين تكاليف المخزون المتراكم وغياب الحركة الشرائية، ما يضعه أمام واقع اقتصادي صعب للغاية".
أما أسعار السلع التموينية الأساسية مثل السكر والأرز والطحين والزيت فلا تزال مستقرة في الأسواق المحلية، إذ تتولى وزارة الاقتصاد وحماية المستهلك متابعة وضبط أسعارها الاسترشادية، ومع ذلك، يثير التطور الإقليمي الأخير مخاوف من احتمال ارتفاع الأسعار مستقبلا.
