شهدت المملكة العربية السعودية تحولا اقتصاديا عميقا على مدى تسع سنوات مضت في ظل رؤية 2030 الطموحة التي اطلقها الامير محمد بن سلمان، حيث دخل الاقتصاد المحلي مرحلة تحول كبرى منذ عام 2016.
وهذا التحول لم يقتصر على مجرد إصلاحات مالية محدودة، بل اتخذ مسارا هيكليا واضحا، واظهرت المؤشرات الاقتصادية ان المملكة تتحول تدريجيا من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد متنوع ومتسارع تقوده قطاعات متعددة.
ويرى خبراء متخصصون أن هذه التحولات انعكست بشكل مباشر على الناتج المحلي الإجمالي، الذي ارتفع من حوالي 2.6 تريليون ريال في عام 2016 إلى ما يقارب 4.7 تريليون ريال في السنوات الأخيرة، أي ما يعادل نحو 1.3 تريليون دولار، محققا معدل نمو سنوي تراكمي يقارب 8 في المائة.
نمو قياسي وتنويع اقتصادي
ويعتبر هذا الأداء من بين أعلى معدلات النمو التي سجلتها المملكة في تاريخها الاقتصادي الحديث، ويضع الاقتصاد السعودي ضمن أبرز الاقتصادات الكبرى عالميا من حيث النمو المتسارع، وذلك بفضل برامج التحول الاقتصادي التي أطلقتها رؤية السعودية 2030 لتعزيز التنويع الاقتصادي وتوسيع قاعدة الإنتاج خارج القطاع النفطي.
وقال الدكتور فيصل الفاضل، عضو مجلس أمناء منتدى الرياض الاقتصادي والخبير القانوني المتخصص في التشريعات الاقتصادية، إن السعودية شهدت تحولات اقتصادية عميقة في إطار رؤية السعودية 2030، تمثلت في تبني نموذج اقتصادي أكثر تنوعا واستدامة يقوم على تقليل الاعتماد على النفط وتوسيع قاعدة الاقتصاد الوطني.
واضاف الفاضل أن ذلك يتم من خلال تنمية قطاعات واعدة مثل السياحة والتقنية والخدمات اللوجيستية والصناعات المتقدمة، مما يعزز مرونة الاقتصاد الوطني ويزيد من جاذبية السوق السعودية للاستثمارات المحلية والأجنبية.
مؤشرات إيجابية وإصلاحات تشريعية
واوضح الفاضل أن المؤشرات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة تعكس نجاح مسار التحول الاقتصادي في المملكة، حيث سجلت الأنشطة غير النفطية معدلات نمو متقدمة، وارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، كما شهدت المملكة زيادة في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وتحسنا في مؤشرات التنافسية الاقتصادية، مما يعزز مكانة المملكة كمركز إقليمي للاستثمار والأعمال.
وبين أن هذا التحول لم يقتصر على البرامج التنموية والمشاريع الاستثمارية، بل ارتكز أيضا على مسار إصلاحي تشريعي وتنظيمي واسع أعاد تشكيل البيئة النظامية للاقتصاد، من خلال تحديث عدد من الأنظمة الاقتصادية والتجارية، من أبرزها نظام الشركات ونظام الاستثمار ونظام الإفلاس، إلى جانب تطوير التشريعات المرتبطة بحوكمة الشركات وحماية المستثمرين وتنظيم المنافسة، مما أسهم في تعزيز الشفافية واليقين النظامي ورفع كفاءة البيئة الاستثمارية.
وبالعودة لانعكاس التحولات الاقتصادية يبرز التوسع في مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، التي ارتفعت إلى 56 في المائة، واظهرت البيانات أن الأنشطة غير النفطية كانت المساهم الرئيس في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال عام 2025.
سوق العمل والاستثمار
وانهى الاقتصاد السعودي عام 2025 بمعدل نمو هو الأقوى منذ عامين مسجلا ما نسبته 4.5 في المائة بعد ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بواقع 5 في المائة في الربع الرابع، واشارت تقديرات الهيئة العامة للإحصاء إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نما بنسبة 4.5 في المائة خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024، نتيجة ارتفاع جميع الأنشطة الاقتصادية.
وشهدت سوق العمل السعودية خلال السنوات الماضية تغيرات لافتة، حيث انخفض معدل البطالة بين السعوديين، وارتفعت مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل بشكل غير مسبوق، وذلك ضمن حزمة من الإصلاحات التشريعية، وتشير الأرقام إلى انضمام أكثر من 2.48 مليون سعودي إلى القطاع الخاص، مما يعكس نجاح سياسات توطين الوظائف.
وقد ساهمت برامج التحول الاقتصادي خلال السنوات الماضية في نمو الوظائف، فقد أضيف إلى الاقتصاد نحو 800 ألف وظيفة جديدة خلال السنوات الأخيرة، فيما برزت الوظائف الهندسية التي سجلت نموا لافتا، كذلك شهد قطاع السياحة توسعا كبيرا في فرص العمل مع إطلاق مشاريع سياحية وترفيهية كبرى، بالإضافة لقطاع الصناعات الدوائية والصيدلانية التي تضاعفت بها الوظائف.
القطاع الخاص وصندوق الاستثمارات العامة
ووضع الأمير محمد بن سلمان الاستثمار في صدارة محركات الاقتصاد الوطني، وذلك بهدف تحويل المملكة إلى قوة استثمارية عالمية يكون فيها الاستثمار المحلي والأجنبي المحرك الرئيسي للنمو والتنويع الاقتصادي.
وفي هذا الإطار جرى تأسيس وزارة الاستثمار وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للاستثمار التي جاءت كإطار وطني شامل، ويعد الاستثمار الكلي في الاقتصاد من أهم المؤشرات التي تعكس قوة النشاط الاقتصادي في أي دولة، وفي هذا السياق ارتفع حجم الاستثمار في المملكة من نحو 672 مليار ريال في عام 2017 إلى نحو 1.44 تريليون ريال بنهاية عام 2024، أي أكثر من ضعف مستواه خلال أقل من عقد، مما يعكس اتساع النشاط الاستثماري في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وفي هذا السياق شدد الفاضل على أن القطاع الخاص يمثل ركيزة أساسية في تحقيق مستهدفات رؤية 2030 كشريك فاعل في عملية التحول الاقتصادي والتنويع الإنتاجي، من خلال توسيع الاستثمارات النوعية وتبني التقنيات الحديثة وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال، في ظل منظومة تشريعية وتنظيمية متطورة تدعم سهولة ممارسة الأعمال وتحمي الحقوق الاستثمارية.
كما بين عضو مجلس أمناء منتدى الرياض الاقتصادي أن التحول التنموي شمل كذلك تطوير القطاع غير الربحي وتعزيز دوره بوصفه شريكا تنمويا مؤثرا، عبر تحديث الأنظمة واللوائح المنظمة للجمعيات والمؤسسات الأهلية وتعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية والاستدامة المالية، مما يدعم مستهدف رفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 5 في المائة.
وبرز صندوق الاستثمارات العامة كأحد أهم أدوات التحول الاقتصادي، بأصول تحت الإدارة تقدر بنحو 3.47 تريليون ريال، ليصبح أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم.
ويقود الصندوق استثمارات ضخمة في قطاعات السياحة والطاقة المتجددة والصناعة والتقنية والترفيه، إضافة إلى إطلاق مشاريع اقتصادية عملاقة تستهدف بناء قطاعات جديدة وتعزيز مكانة المملكة بوصفها مركزا اقتصاديا عالميا.
