للمرة الاولى منذ مدة طويلة، شهد قطاع غزة انخفاضا ملحوظا في اصوات الطائرات المسيرة، المعروفة محليا باسم "الزنانات"، ما جعل ليالي سكان الخيام تبدو اقل قسوة واكثر سكينة.
خلف جدران الخيام المصنوعة من القماش والنايلون، استشعر السكان هذا التغيير بشكل فوري، وتجسد في تفاصيل بسيطة مثل نوم متقطع اقل، وسحور اكثر هدوءا، واطفال ينعمون بقدر ضئيل من الطمانينة.
ولم يحتج السكان الى محللين استراتيجيين لربط هذا الهدوء النسبي بالتوترات المتصاعدة في ايران ولبنان منذ اسبوعين تقريبا، لكنهم لم يثقوا كثيرا بهذا السكون، فهم يعلمون انها مجرد فترة راحة مؤقتة في حرب لم تنته بعد.
ليال اقل توترا
داخل خيمة في مركز ايواء في وسط مدينة غزة، تصف فاطمة صالح كيف اصبحت ليالي رمضان اكثر هدوءا بعد ان خفت اصوات الطائرات المسيرة، وتقول انها لاحظت هذا التغيير منذ حوالي اسبوعين، ومنذ ذلك الحين، اصبح الليل اهدأ وتراجع الخوف الذي كان يسبق النوم ويقطعه.
وتشير فاطمة الى ان صوت "الزنانة" كان كافيا لايقاظ ابنائها او ابقائهم في حالة ترقب، لانهم ربطوا بينه وبين احتمال القصف، ومع انخفاض التحليق، اصبح نومهم اكثر استقرارا واقل انقطاعا من ذي قبل.
اما عصام الداعور، فيلخص التغيير في تفاصيل يومية مباشرة، نوم اكثر راحة، وسحور اكثر هدوءا، وليال اقل ارهاقا، وبالنسبة اليه، كان صوت "الزنانة" مزعجا جدا وكأنه "نحلة" تطن داخل الاذن، وليس في السماء البعيدة.
حركة دون خوف
وفي منزل ادهم ابو شنب، كان الاثر اوضح على اخوته الصغار، فالاطفال، كما يروي، كانوا ينامون في وقت متاخر بسبب الخوف من صوت الطيران، مما يجعل ايقاظهم لتناول السحور امرا صعبا.
وبالنسبة لايناس غباين، لم يظهر الفرق في النوم فقط، بل في سلوك الاطفال ايضا، فبعد ان كانت "الزنانة" تلازم السماء على مدار الساعة، ويستيقظ الاولاد ليلا وهم يصرخون من الخوف، اصبحوا الان اكثر هدوءا، وبات بامكانهم الذهاب الى الحمام الخارجي، او الخروج لشراء احتياجات بسيطة، دون الخوف السابق.
وفي السياق ذاته، تصف ابتسام الهواري كيف كانت الطائرات المسيرة "تشارك العائلة يومها وليلها"، ففي الخيام التي تفتقر الى ابسط وسائل العزل الصوتي، يخترق الازيز جدران الخيام ويتلف الاعصاب.
اذى نفسي
وانتقل الحديث عن "تراجع ضجيج الزنانات" الى منصات التواصل الاجتماعي، وكتب عاصم النبيه، الصحفي والناطق السابق باسم بلدية غزة، على حسابه في فيسبوك، مشيرا الى ان تحليق طائرات الاستطلاع والمسيرات انخفض بشكل ملحوظ في سماء قطاع غزة، مع اتساع المواجهة على الجبهتين الايرانية واللبنانية.
وفي تفسيره لهذا الانخفاض، يطرح النبيه اكثر من احتمال، اهمها ان القدرات الاسرائيلية اصبحت موزعة على جبهات متعددة، بحيث لم تعد غزة تستحوذ على نفس القدر من الموارد الجوية، على الرغم من استمرار اهميتها.
ولا يقتصر تاثير صوت الطائرات على الازعاج، بل يترك بصمة عميقة في الصحة النفسية للسكان، فصوت الطائرات المسيرة لا يُسمع، في نظر الكثيرين، كضوضاء عابرة، بل كإشارة انذار دائمة تستدعي معنى الخطر والاستهداف المحتمل.
"اعراض الزنانات"
ويقول الدكتور اسامة عماد، استشاري الصحة النفسية، ان هذه الاصوات تمثل شكلا من التعرض المستمر للخطر، بما يرافقه من توتر دائم وقلق وحالة ترقب، كما تولد شعورا بالعجز وفقدان السيطرة، وتبقي الانسان في احساس بانه مكشوف وغير قادر على حماية نفسه.
ولا يقتصر التاثير على الجانب النفسي، اذ قد يقترن استمرار التعرض للصوت لساعات طويلة باعراض جسدية، مثل خفقان القلب، والصداع، وتقلص العضلات، واضطرابات الهضم، وفقدان الشهية.
وتكون الاثار اشد على الاطفال، وقد تشمل اضطرابات النوم، والكوابيس، والخوف الشديد، والتبول اللاارادي، وصعوبات التركيز والنطق، وازدياد السلوك العدواني لدى الاطفال.
فرصة للاستشفاء النفسي
ويرى عماد ان التراجع النسبي والمؤقت في تحليق الطيران المسير وانخفاض الضجيج يتيحان فرصة للاستشفاء واكتشاف الاعراض الناجمة عنه، مبينا ان انخفاض الاصوات يمنح الجهاز العصبي راحة مؤقتة من حالة الاستنفار، ويخفف بعض التوتر النفسي والجسدي، ويحسن النوم بدرجة محدودة، دون ان يمحو الصدمة.
ويضيف ان هذا الهدوء النسبي قد يساعد على ملاحظة اثار، مثل اضطرابات النوم والخوف والتبول اللاارادي لدى الاطفال، بما يتيح فرصة افضل للانتباه الى المشكلة.
لكنه يشدد على ان ذلك لا يعني التعافي، لان الاعراض الحادة او الراسخة تظل بحاجة الى تدخل طبي وخطة علاجية.
اما اذا عاد ازيز الطائرات الى سابق عهده -بحسب الاختصاصي الفلسطيني- فقد يعود الجهاز العصبي الى حالة الترقب والتأهب، مع احتمال عودة او تفاقم اعراض مثل خفقان القلب، والهلع، واضطرابات النوم، والقلق والاحباط، الى جانب اثار اشد على الاطفال في السلوك والتعلم والتركيز.
انتهاك حقوقي صارخ
لا يقتصر الاذى الذي تسببه المسيرات في غزة، في نظر حقوقيين، على القلق والارق والصداع، بل يمتد الى ما يعد انتهاكا جماعيا لحقوق المدنيين وكرامتهم.
ويرى المحامي علاء السكافي، المدير التنفيذي لمؤسسة الضمير لحقوق الانسان في قطاع غزة، ان استخدام هذه الطائرات يثير اشكالا قانونيا وحقوقيا واضحا، لانها لم تعد، بحسب وصفه، مجرد وسيلة استطلاع، بل تحولت في طريقة استخدامها الى اداة قتل مباشرة، وغير مباشرة من خلال ما تسببه من اذى نفسي.
ويضيف -في حديثه- ان الضرر لا يقتصر على القتل، اذ ان الصوت المزعج المتواصل على مدار الساعة "يشكل انتهاكا صارخا لحقوق الانسان، ويخلف اثرا عميقا في حياة الناس، الى حد تعذر السماع احيانا بسبب شدة الضجيج".
وبحسب السكافي، فان هذا الاستخدام، بما ينطوي عليه من ازعاج دائم وترويع نفسي، يتعارض مع القيم التي يقوم عليها القانون الدولي الانساني، لا سيما حين يستخدم الضجيج لابقاء مجتمع كامل في حالة رهبة او للضغط النفسي عليه.
ورغم انخفاض تحليق الطائرات، هذه الايام بسبب انشغال اسرائيل بالحرب على الجبهة اللبنانية والايرانية، فان السكافي يشدد على ان الاحتلال يواصل عدوانه بقصف الاماكن المدنية، وقتل الابرياء.
"مختبر مفتوح"
وخلص تقرير اعدته "وكالة سند" للتحقق الاخباري التابعة لشبكة الجزيرة الى ان اسرائيل حولت غزة بعد الحرب الى مختبر مفتوح لاختبار الطائرات المسيرة واستخدامها في القتل والمراقبة والاستهداف، ثم تسويقها عالميا بوصفها مجربة قتاليا.
ويقول التقرير ان قطاع صناعة المسيرات في اسرائيل بات يضم 30 شركة تنتج 93 طرازا، ويشمل طائرات استطلاع، وهجومية، وانتحارية، وطائرات اقلاع عمودي.
كما رصد اختبار 15 طرازا على الاقل من انتاج 9 شركات داخل غزة، بما في ذلك مسيرات هجومية ومدعومة بالذكاء الاصطناعي، ويوثق التقرير الاثر النفسي لهذه المسيرات، عبر الطنين الدائم الذي يفرض الخوف والضغط على السكان.
