مع اقتراب شم النسيم وارتفاع أسعار الرنجة بنسبة 10% في الأسواق المصرية، كشفت دراسة حديثة عن تهديد وجود هذه السمكة على المائدة المصرية في المستقبل. وبينت الدراسة أن تغير المناخ يؤثر سلبا على مخزون الرنجة العالمي، خاصة في منطقة بحر البلطيق الغربي.
ووفقا للدراسة المنشورة في دورية "آي سي إي إس جورنال أوف مارين ساينس"، فإن ارتفاع درجة الحرارة يعيق قدرة الرنجة على التكاثر. واشارت الدراسة إلى أن هذا التدهور سينعكس سلبا على حجم المخزون السمكي.
وبينت الدراسة أن بحر البلطيق، وهو بحر شبه مغلق في شمال أوروبا، يتميز بمياهه الأقل ملوحة ونظامه البيئي الحساس للتغيرات المناخية. واكدت الدراسة أن هذه التغيرات أثرت بشكل كبير على سمكة الرنجة، مما استدعى فرض حظر كامل على صيدها لمدة أربع سنوات لاستعادة المخزون.
سمكة حساسة لتغيرات المناخ
ومع أن الدراسة أجريت على بحر البلطيق، قال الدكتور رودي فوس، الباحث الرئيسي بالدراسة والأستاذ بجامعة كيل، إن مخزون الرنجة حساس لتغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة بشكل عام.
واضاف فوس أن هذا سيؤثر مستقبلا على المخزونات في العالم بشكل سلبي، مما يؤدي إلى تغير في التوزيع وانخفاض الإنتاجية. وبين أن الرنجة ستصبح أكثر ندرة وأغلى ثمنا في المستقبل.
ولا يتوقع رودي حدوث هذا التأثير بشكل سريع، مضيفا أن مخزون الرنجة يبدو مستقرا في الوقت الراهن في بعض المناطق، بينما يعاني في مناطق أخرى مثل بحر البلطيق. وبين أنه لن تؤثر كميات صيد الرنجة في بحر البلطيق على السوق العالمية نظرا لانخفاض كميات الصيد. ومع ذلك، سيؤثر تغير المناخ على وفرة أسماك الرنجة عالميا على المدى البعيد، وسينعكس ذلك على وفرتها في الأسواق المصرية، لذلك أتوقع أن تبرز آثار تغير المناخ بشكل جلي بدءا من منتصف القرن (2050).
طعام الأثرياء فقط
وحول العواقب الاجتماعية والاقتصادية لتأثير توصيتهم بحظر الصيد أربعة أعوام لاستعادة المخزون، قال فوس إن العواقب ستكون وخيمة حال تم تطبيقها. واضاف أنه إذا كان الصيادون يعتمدون على الرنجة كأحد أهم أنواع الأسماك المستهدفة، فسوف يواجهون صعوبات اقتصادية، وقد تنهار الشبكات الاجتماعية والبيئية التقليدية (مجتمعات الصيد).
واضاف أن ألمانيا بدأت بتطبيق تدابير تكيف سياسية لمساعدة الصيادين، ويشمل ذلك، على سبيل المثال، مشاركة أكبر (مدفوعة الأجر) للصيادين في البحث العلمي من خلال جمع البيانات. وبين أن هذا يعزز الثقة بين الصيادين والحكومة والجهات العلمية.
ومع هذه التأثيرات، لا يتوقع رودي أن تتغير العادات الغذائية للمصريين في شم النسيم بسهولة. واضاف بابتسامة ساخرة أنه من الصعب تغيير العادات الغذائية، وأنا خير مثال على ذلك، فأنا علي أن أنقص وزني، لكن الأمر صعب للغاية.
واستطرد رودي أن التغيرات في الإمدادات ستؤثر على الأسعار، وهذا بدوره سيغير السلوك في نهاية المطاف. وارجح أنه في مرحلة ما، سيصبح تناول الرنجة خلال شم النسيم حكرا على الأثرياء.
ضغط فسيولوجي متزايد
ولم يشر رودي في دراسته إلى الأسباب الفسيولوجية والبيولوجية التي تجعل التغير المناخي مؤثرا على تكاثر سمكة الرنجة، وهو ما توضحه الدكتورة سحر مهنا، أستاذة تقدير المخزون السمكي وإدارة المصايد ورئيسة شعبة المصايد السابقة بالمعهد القومي لعلوم البحار بمصر.
وتقول سحر إنه إذا كانت بعض الأسماك لديها قدرة على التكيف مع ارتفاع درجة الحرارة، فإنه بالنسبة لأسماك حساسة لتغيرات المناخ مثل الرنجة، يصبح الأمر صعبا ومعقدا.
وتوضح سحر أن هذه الأسماك تعتمد على ظروف بيئية دقيقة لضمان بقائها واستمرارها، لذلك فإن أي ارتفاع حاد في درجة الحرارة يضعها تحت ضغط فسيولوجي متزايد.
وبينت سحر أن ارتفاع الحرارة يؤدي إلى انخفاض مستويات الأكسجين الذائب في المياه، ما يجبر السمكة على استهلاك طاقة أكبر للبقاء على حساب النمو والتكاثر.
واظهرت دراسة نشرتها دورية "فرونتيرز إن مارين ساينس" قبل خمسة أعوام أن تكاثر الرنجة في المناطق الساحلية يعتمد على نطاق حراري دقيق يتراوح بين 3.5 و4.5 درجات مئوية، وهو ما يعمل كـ"إشارة بيئية" لبدء عملية وضع البيض في بحر البلطيق الغربي. واكدت الدراسة أن هذا التحديد الدقيق يجعل دورة حياة الرنجة شديدة الحساسية لأي تغير في توقيت أو شدة المواسم الباردة.
ضربة موجعة للتكاثر
أما أخطر التأثيرات فتظهر خلال موسم التكاثر، حيث تتسبب الحرارة المرتفعة في تغيير توقيت هجرة الرنجة وتكاثرها. وبينت الدراسات أن هذا التغير من شأنه أن يؤدي إلى ما يعرف بـ"عدم التزامن الغذائي".
وتشرح سحر هذا التأثير قائلة إنه يحدث بسبب أن اليرقات تفقس في وقت لا يتوافر فيه غذاؤها الأساسي من العوالق البحرية، ما يقلل بشكل حاد من فرص بقائها على قيد الحياة.
وبينت سحر أن اليرقات هي الحلقة الأضعف في دورة الحياة وتتأثر بشدة بأي تغير في درجات الحرارة، ما يؤدي إلى معدلات نفوق مرتفعة وانخفاض أعداد الأجيال الجديدة، وهو ما ينعكس لاحقا على حجم المخزون السمكي.
واشارت دراسة نشرتها دورية "مارين إنفايرونمنتال ريسيرتش" أن انخفاض أعداد اليرقات يحدث في السنوات التي تشهد ارتفاعا مبكرا في حرارة مياه الربيع. واوضحت أن انخفاض الحرارة في الربيع (أقل من 16 درجة مئوية) يوسع "النافذة الحرارية المثلى" لتغذية اليرقات. واكدت الدراسة أن نجاح التكاثر لا يعتمد فقط على درجة الحرارة، بل على توقيت حدوثها أيضا.
وإلى جانب هذه التأثيرات، توجد تأثيرات غير مباشرة تشير إليها سحر، ومنها زيادة انتشار الطحالب الضارة وتغير سلوك وتوزيع المفترسات مثل سمك القد، وهو ما يضيف ضغوطا إضافية على الرنجة في بيئتها الطبيعية.
ووثقت دراسة نشرتها دورية "بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس" هذا التأثير، إذ كشفت تلك الدراسة التي تعتمد على بيانات ميدانية امتدت لأكثر من 30 عاما أن انهيار المفترس الأعلى في السلسلة الغذائية، وهو سمك القد في بحر البلطيق، بسبب ارتفاع درجات حرارة المياه أدى إلى تغير جذري في بنية ووظائف النظام البيئي البحري عبر ما يعرف بظاهرة "التسلسل الغذائي".
وأوضحت النتائج أن إزالة المفترسات العليا لا تؤثر فقط على نوع واحد، بل تمتد آثارها إلى مستويات أدنى في السلسلة الغذائية، بما يؤدي إلى اختلال في توازن العلاقات البيئية وإعادة تشكيل طريقة عمل النظام البيئي بالكامل.
ثلاثة عوامل فيزيائية
ويشير أستاذ الفيزياء البحرية بالمعهد القومي لعلوم البحار الدكتور أحمد رضوان إلى جانب آخر من القصة، وهو العوامل الفيزيائية البحرية التي تتأثر بتغير المناخ وتترك بالتالي أثرها على سمكة الرنجة.
واوضح رضوان أن أول هذه العوامل هي "الديناميكا الحرارية وتفكك الطبقات المائية"، حيث تشير الدراسات إلى أن ارتفاع درجات حرارة الطبقات السطحية من المياه يؤدي إلى زيادة "الطبقية الحرارية"، وهي حالة تتشكل فيها طبقات مائية منفصلة تحد من عملية الاختلاط الرأسي بين السطح والأعماق. وبين أن هذا التغير ينتج عنه تشكل حواجز حرارية تعيق حركة الأسماك بين مناطق التغذية والتكاثر واضطراب في الوصول إلى البيئات المثلى لوضع البيض وتغير في معدلات النمو نتيجة ارتباط سرعة الأيض بدرجة حرارة الوسط.
واكد رضوان أنه رغم أن ارتفاع الحرارة قد يحفز النمو في المدى القصير، فإن تجاوزه للحدود الحرارية المثلى يؤدي إلى إجهاد فسيولوجي يقلل من كفاءة التغذية والتحول الحيوي.
أما ثاني العوامل التي يشير إليها أحمد في تصريحاته، فهي اضطراب التيارات البحرية وتشتت اليرقات. وبين رضوان أن يرقات الرنجة في مراحلها الأولى تعتمد على التيارات البحرية لنقلها من مناطق التبويض إلى مناطق الحضانة الساحلية الغنية بالغذاء. واضاف أن التغيرات المناخية تؤدي إلى تغير كثافة المياه بفعل الاحترار وذوبان الجليد واضطراب في أنماط التيارات البحرية الكبرى وانحراف مسارات النقل الطبيعي لليرقات. وبين أن ذلك ينتج عنه في بعض الحالات دفع اليرقات إلى مناطق المحيط المفتوح الأقل إنتاجية بدلا من المناطق الساحلية المناسبة للنمو، ما يزيد من معدلات النفوق ويهدد نجاح الأجيال الجديدة.
واخيرا، فإن العامل الثالث هو "الخصائص الهيدروكيميائية ونقص الأكسجين". واوضح رضوان أن تركيز الأكسجين المذاب في المياه يرتبط بعلاقة فيزيائية مباشرة مع درجة الحرارة والملوحة، حيث يؤدي ارتفاع الحرارة إلى انخفاض قدرة المياه على الاحتفاظ بالأكسجين. وبين أن ذلك ينتج عنه توسع مناطق نقص الأكسجين وإجبار الأسماك على الهجرة من موائلها الطبيعية وضغط إضافي على اليرقات في مراحلها الحساسة.
ويقول أحمد إن هذه المعطيات تكشف بوضوح عن أن التغير المناخي لا يؤثر فقط على درجات الحرارة، بل يعيد تشكيل البنية الفيزيائية للبحار بشكل شامل، بما يشمل الطبقات المائية والتيارات وخصائص الذوبان الكيميائي، وهو تأثير قد تصل آثاره بعد سنوات إلى موائد المصريين في شم النسيم.
