لم يعد الوشم مجرد زينة على الجسد، بل تحول إلى ممارسة عالمية واسعة الانتشار، حيث تشير الإحصائيات إلى أن واحدا من كل خمسة أشخاص تقريبا يحمل وشما، ومع تزايد هذه الظاهرة، يركز العلماء على فهم التأثيرات البيولوجية للوشم، وخاصة تأثيره على جهاز المناعة.
يتم إدخال الحبر إلى طبقة الأدمة تحت الجلد خلال عملية الوشم باستخدام إبر دقيقة، وبمجرد دخول الحبر، يتعامل معه الجسم كجسم غريب، فتبدأ الخلايا المناعية، وعلى رأسها البلعميات، بمهاجمة هذه الجزيئات ومحاولة التخلص منها.
إلا أن جزيئات الحبر تتميز بصعوبة التحلل، ولهذا السبب تبقى محاصرة داخل الجلد، مما يجعل الوشم دائما، كما كشفت الدراسات أن جزءا من هذه الجزيئات قد ينتقل عبر الجهاز اللمفاوي ويستقر في العقد اللمفاوية.
تركيب حبر الوشم وتأثيره
واحبار الوشم تتكون من مزيج من الأصباغ والمذيبات والمواد الحافظة، وقد تحتوي أيضا على معادن ثقيلة مثل النيكل والكروم والكوبالت، وفي بعض الأحيان الرصاص.
وتضم الأحبار مركبات عضوية تتحلل مع مرور الوقت لتنتج مواد قد تكون ضارة، وذلك وفقا لما بينته بعض الدراسات.
دراسات حديثة تلقي الضوء
وكشفت دراسة علمية حديثة نشرت في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS) بعنوان "تراكم أحبار الوشم في العقد اللمفاوية وتغيير الاستجابات المناعية"، عن مصير حبر الوشم داخل الجسم وتأثيره على جهاز المناعة.
واظهرت الدراسة أن حبر الوشم يتراكم في العقد اللمفاوية، وهي مراكز حيوية لتنظيم الاستجابة المناعية.
وبينت ان الخلايا المناعية مثل البلعميات تقوم بامتصاص هذه الجزيئات، مما يسبب التهابا مزمنا.
واضافت الدراسة ان هذا التفاعل قد يؤدي إلى تغييرات في كفاءة الجهاز المناعي.
تأثير الوشم على اللقاحات
واوضحت نتائج الدراسة أن تأثير الوشم على المناعة معقد، إذ يمكن أن يقلل الاستجابة لبعض اللقاحات مثل لقاحات كوفيد-19.
ويمكن ان يعزز الاستجابة لأنواع أخرى من اللقاحات، مثل لقاح الإنفلونزا.
ويعكس هذا أن وجود الحبر داخل الجسم قد يغير طريقة تفاعل الجهاز المناعي مع المحفزات المختلفة.
المخاطر الصحية الشائعة للوشم
ورغم أن الوشم يعتبر آمنا نسبيا، إلا أن أبرز مضاعفاته تتمثل في تفاعلات تحسسية، خاصة مع الألوان الحمراء.
ويمكن ان تحدث التهابات جلدية قد تظهر بعد أشهر أو سنوات من الوشم.
واكدت الدراسة وجود خطر العدوى في حال غياب التعقيم.
وتجدر الإشارة إلى أن مكونات أحبار الوشم لا تزال تخضع لرقابة محدودة في العديد من الدول، بالرغم من بدء تنظيمها في أوروبا منذ عام 2022 ضمن إطار برنامج “REACH”.
وتبين الأبحاث الحديثة أن الوشم ليس مجرد فن يرسم على الجلد، بل هو عملية بيولوجية معقدة تتضمن تفاعلا مستمرا بين الحبر وجهاز المناعة.
واكدت الدراسة انه رغم عدم وجود أدلة حاسمة حتى الآن تثبت أضرارا طويلة المدى خطيرة، إلا أن هذه الدراسات تفتح المجال لفهم أعمق لتأثير الوشم على الصحة، وتؤكد في الوقت نفسه الحاجة إلى مزيد من البحث والتشريعات المنظمة.
