أثار مقال للكاتب عبدالهادي راجي المجالي جدلا واسعا في الأوساط الإعلامية والسياسية، بعد تناوله ما ورد في مقال للصحفي فهد الخيطان حول احتمالات تصاعد الاحتجاجات الشعبية في الأردن.
وتوقف المجالي في مقاله عند توقيت طرح هذه التحذيرات، متسائلا عن أسباب خروجها إلى العلن عبر مقال صحفي، بدلا من طرحها في إطار مغلق، خصوصا في ظل العلاقة المهنية السابقة التي جمعت الخيطان برئيس الوزراء جعفر حسان.
وطرح المجالي جملة من التساؤلات حول سبب التفاعل الكبير مع مقال الخيطان، مقارنة بمقالات سابقة له، معتبرا أن الجدل لا يرتبط فقط بالمحتوى، بل بالسياق السياسي والإعلامي الذي جاء فيه.
وأشار إلى أن المشهد الإعلامي شهد تغيرا في طريقة التعاطي مع الحكومات، مستحضرا تجربة الحكومة السابقة برئاسة بشر الخصاونة، مقارنة بما وصفه بتبدل في الخطاب تجاه الحكومة الحالية.
قراءات متعددة للمضمون
وتباينت تفسيرات المجالي لمقال الخيطان، إذ نقل وجهة نظر شريحة من المتابعين الذين اعتبروا الطرح تحذيرا مهنيا، فيما رأى آخرون أنه يعكس تحولات في مواقف بعض النخب الإعلامية.
كما أشار إلى أن الحديث عن الاحتجاجات يرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية، لافتا إلى وجود حالة من الضغط المعيشي لدى المواطنين، مقابل استمرار حالة من الهدوء في الشارع.
وأكد المجالي في طرحه أن تقييم احتمالية الاحتجاجات يحتاج إلى أدوات قياس دقيقة للمزاج العام، مشيرا إلى أن قراءة الشارع لا يمكن حسمها بسهولة، في ظل تباين الظروف بين المحافظات.
كما لفت إلى أن حساسية هذا الملف تتطلب تعاملا إعلاميا متوازنا، خاصة مع ارتباطه بقضايا الاستقرار والأمن الوطني.
كما أشار المجالي إلى أن بعض القراءات الشعبية فسرت مقال الخيطان في سياق الخلافات أو التحولات داخل النخب، في حين يرى آخرون أنه يأتي ضمن إطار التحليل المشروع.
وتاليا نص مقال المجالي:
قرأت مقال الزميل فهد الخيطان قبل يومين، قرأت عن تحذيره من تصاعد حركات الاحتجاج الشعبي.. حسناً، سؤالي فهد كتب مئات لا بل ألوف المقالات.. لكن لماذا هذا المقال بالتحديد أخذ جدلاً وحيزاً في الإعلام؟
حين كان بشر الخصاونة رئيساً في الحكومة، كانت قناة المملكة تروج لفشل مشروعه الاقتصادي.. وهاجمته، مثل وسائل إعلام كثيرة في الأردن، لكن حين جاء جعفر حسان للحكومة تغير الموقف تماماً، وبدأت المملكة بالتصفيق لحكومته والتبشير بعهد الجدية في العمل والانتعاش في الاقتصاد.
فهد عمل مع الرئيس فحين كان جعفر مديراً لمكتب جلالة الملك كان فهد الخيطان مديراً للدائرة الإعلامية في الديوان، وفهد يعتبر من أصدقاء الرئيس المقربين.. ومن المناصرين لنهجه، وكان من الممكن أن يحذر الرئيس في غرفة مغلقة عن خطورة تصاعد الاحتجاجات الشعبية، إذا استمرت الحكومة على نهجها الحالي في معالجة الأزمات.. لكنه قالها علانية وصراحة عبر مقال.. لماذا يا ترى؟
القصة ليست في فهد، القصة في الرئيس ذاته، فحين جلس على كرسي الحكومة انفتح على الناس جميعهم.. مثلاً أنا في تصنيفه كنت من الناس (اللي بشطحوا).. وكنت مصنفاً أيضاً من الناس الذين يصعب ضبطهم، لهذا حشرت على رف المعارضة الفارغة.. هكذا كان تصنيفنا وتسميتنا، لكن حين التقى جعفر حسان بالناس تحت سقف الرئاسة، اكتشف أنه كان ضحية للتضليل والشيطنة.. واكتشف أن الناس لم يكونوا بهذا الحجم من السوء.. وإلا لماذا في آخر لقاء مع الملك ذهبت أنا ومجموعة من الزملاء لم نكن حتى نحلم بالوقوف بجانب بوابة قصر الحسينية؟
.. لكننا كنا في مقدمة.. السبب بسيط وهو: أن إعلام الديوان انفتح على كل الأطراف، ولم يعد يصنف الناس وفق الأهواء.. أو وفق الانطباع، في النهاية كلنا نحب الملك.. وكلنا لنا الحق في مقابلته والاستماع له، والتعبير عن الولاء..
... طارت الحكومة أم بقيت هذا لا يعنيني، الأيام في الأردن كلها تشبه بعضها.. والذي يختلف هو الطقس فقط، لكن ما يعنيني هو تصاعد الاحتجاجات الشعبية.. وهنا أسأل كيف نحكم على هذا الأمر هل لدينا باروميتر خاص يقيس حرارة الشوارع..؟ هل لدينا أذن وعين في كل شارع وكل زاوية من زوايا الكرك والطفيلة ومعان؟
الناس في بلادنا تعبت من الظروف الاقتصادية، تعبت من البرلمان.. ومن الشخصنة والاستزلام، والنهج المتبع لدى كثرة من المسؤولين، لكن الناس صامتة لأنها تحب البلد وتعشق الملك فقط.. لهذا قصة الاحتجاجات الشعبية هي قصة أمن وطني، وليست قصة تحذير في مقال.. هي قصة وعي الناس وخوفهم، هي قصة حرمة الشوارع وحرمة الدم.. وهذا ما يميز الأردني عن غيره، أنه في اللحظات الصعبة يصمت لأجل البلد ولأجل الملك، وليس خوفا من حكومة أو أمن.. ولكنه في قرارة نفسه يدرك أن أي نزول للشوارع وفي هذه اللحظة بالذات، قد يوظف من أطراف داخلية وربما خارجية للمساس بالبلد كلها دون استثناء لمؤسسة أو جغرافيا.
وسؤالي المؤلم لماذا صار الكل في هذه الفترة (يتمرجل) على جعفر حسان؟.. حتى أقرب المقربين منه، وحتى بعض الرسميين... القصة باختصار هي تحالفات الرجل المؤلمة التي نسجها، والتي اكتشف فيما بعد أنها كلها كانت تحالفات وهمية.. والقصة أيضا هي تحالفات الدولة، مع أناس ظنت في فترة أنهم يستطيعون خلق مشهد سياسي وإعلامي متقدم لها، لكن فيما بعد تبين أنهم عبء على الدولة والشارع وكل الروايات التي أنتجوها كانت فاشلة، وأعطت صدى عكسياً وحملت الدولة عبئا لا يطاق.. بالرغم من حجم جوائز الترضية التي حصلوا عليها.
هذا ليس تعليقاً على مقال الزميل فهد الخيطان، فهد زميل مقدر وله عقل راجح.. ولكن الناس لا تفسر المقال في إطار خوف من الكاتب على الشارع، أو خوف على الأردن.. الناس تفسر المقال في إطار انقلاب حليف على حليف، وصديق على صديق.. وتفسره في إطار انهيار نهج حمله الرئيس وسار معه فهد في ذات النهج.
الناس تنظر لانهيارات التحالفات بين رجالات السلطة، بعين ملؤها الدمع.. وتنظر لانهيار نهج سياسي كان في فترة راسخاً في الدولة وله روافع إعلامية، وله سدنة وأتباع وأنصار.
لو حذرتُ أنا من احتجاجات شعبية أو قلت الأمر في مقال لي.. ربما لكنت صباح اليوم عند عطوفة ياسر العدوان في المحافظة، وربما ستنظر لي المؤسسات الأمنية بنوع من الريبة.. وسيقول زميل في آخر أيام المهنة: (هاظ بدو ترباية.. لازمو السجن).. لكن غيرنا يقولها بملء الفم ولايجرؤ أحد حتى عتبه، أتذكر أن الزميل ماهر أبو طير ذات مرة حذر على قناة المملكة من أمر.. انهالت عليه الحراب والسكاكين في اليوم التالي، وأتذكر أني ذات يوم كتبت (بوست).. صحوت في اليوم التالي وإذا بي في سجن ماركا..
لقد تعلمنا في الصحافة أن نكتب كل شيء ونعبر عن أي شيء نريده وفق المنطق.. تعلمنا أيضاً أن نعبث باللغة كيفما نشاء، ولكن أن نبشر بتصاعد الاحتجاجات الشعبية فهذه سيعتبرها البعض دعوة لتثوير الشارع..
أنا أجرؤ أن أهاجم جعفر حسان شخصياً، وفي آخر لقاء بيننا قلت له حين بدأ حديثه عن حوارات مع الإسلاميين: أن هذا الملف هو ملف أمني.. والأصل ألا تكون للحكومة علاقة به.. لكني لست ملزماً بنشر ما قاله لي أو الرأي الذي طرحته أمامه.. وذات الشيء الذي كتبته في التحالفات الهشة التي نسجها، نثرته أمامه أيضاً.. ولكني لست ملزما بتوظيف الشارع لمهاجمة جعفر حسان، وأنا لست ناطقاً باسم الشارع الأردني.. ولا أملك مجسات لقياس نبضه إن كان سيخرج في مسيرة احتجاجية أم لا.
في نهاية المقال.. ملزم أن أقول إن بعض الضوء ينبثق في مكان ما بالرغم من كل هذا الظلام، ضوء أنتجته بنت بدوية حرة.. هي ريم الجازي في إعلام الديوان الملكي، لقد فتحت بوابات مكتبها للجميع واستمعت للجميع وحاورت الجميع.. بنت لا تمضي يومها في الغرف المغلقة، ولا تؤمن بشيء اسمه النخبة.. هي تعلمت من بداوتها أن الإعلام يشبه رائحة القهوة الصهباء وعلى الجميع أن يستنشق الرائحة ويستمتع بعبقها.. هي تخدم الملك مثل جندي مخلص، لا يقدم خلافاً شخصياً على مصلحة عامة.. هي باختصار كاسحة ألغام نظفت الساحة تماماً، من كل ما زرع فيها...
وتحياتي الخالصة لدولة الرئيس
