بقلم : الباحثة ناديا عبد الرحمن عليمات / ماجستير تربية خاصة في الطفولة في الجامعة الهاشمية
يُعرّف اضطراب طيف التوحد في أدبيات التربية الخاصة بأنه اضطراب نمائي عصبي معقد يظهر في مرحلة الطفولة المبكرة، ويؤثر بشكل جوهري على قدرة الطفل على التواصل اللفظي وغير اللفظي، والتفاعل الاجتماعي المتبادل، وصعوبة بناء العلاقات مع الأقران، إلى جانب اقترانه بأنماط سلوكية تكرارية، واهتمامات مقيدة، واستجابات حسية غير معتادة، ونظراً لشدة وتداخل هذه الأعراض فإن العملية التأهيلية والتعليمية للطفل لا يمكن أن تحقق ثمارها إذا عُزلت داخل أسوار المراكز المتخصصة أو غرف المصادر، بل تتطلب تكاملاً بنيوياً شاملاً مع البيئة الأسرية لضمان تعميم المهارات المكتسبة وتطوير السلوك التكيفي في الحياة اليومية.
وتأسيساً على ذلك، تُشكّل الشراكة التربوية والوالدية بين أسر أطفال التوحد ومعلمي التربية الخاصة حجر الزاوية والركيزة الأساسية لإنجاح الخطط التربوية الفردية وتوجيه الخطط السلوكية، إلا أن واقع التطبيق الميداني في البيئة التعليمية يشير إلى أن ممارسة هذه الشراكة تقع عموماً ضمن درجة متوسطة، حيث يقتصر التواصل بين الطرفين على الجوانب الروتينية الطارئة وتبادل الملاحظات السريعة عند حدوث مشكلات سلوكية، مع رصد فجوة واضحة في إشراك أولياء الأمور الفعلي في مراحل التخطيط، والتقييم، وصياغة الأهداف التعليمية البعيدة والقريبة المدى.
وتُعزى هذه الفجوة التواصلية إلى حزمة من المعوقات الجوهرية المترابطة من منظور الأسر، تصدرتها المعوقات الإدارية والاتصالية المتمثلة في العبء التدريسي وضيق وقت معلمي التربية الخاصة الذي يحول دون عقد لقاءات دورية معمقة، والاعتماد المستمر على قنوات تواصل تقليدية وبطيئة تفتقر للتفاعلية الفورية، فضلاً عن ندرة الورش التدريبية والندوات الإرشادية والملتقيات التثقيفية التي تنظمها المؤسسات التعليمية لرفع كفاءة الأهالي، وينضم إلى ذلك معوقات ذات طابع معرفي ونفسي ترتبط بشعور أولياء الأمور بضعف تأهيلهم ونقص خبراتهم العلمية في كبح السلوكيات النمطية الحادة أو التعامل مع نوبات الغضب الصاخبة لأبنائهم، إلى جانب تفاقم الضغوط النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والوقوع تحت وطأة الاحتراق النفسي الوالدي الناتج عن المتطلبات اللامحدودة للرعاية اليومية المستمرة.
ولتجاوز هذه التحديات وتحويل هذه الشراكة التكميلية إلى واقع عملي مثمر ومستدام، يبرز التوجه بضرورة مأسسة العلاقة التربوية بين المراكز والمنزل عبر سن تشريعات ولوائح إلزامية تفرض إشراك الوالدين كعضو رئيس في فريق بناء البرامج التأهيلية واعتماد توقيعهم عليها، مع ضرورة الانتقال نحو الرقمنة التفاعلية عبر تفعيل تطبيقات ومجموعات التواصل الذكي التي تسمح بتبادل المقاطع المرئية والتوجيهات السلوكية اللحظية، وصولاً إلى بناء واستحداث برامج دعم معرفي ونفسي وإرشاد أسري جمعي ممأسس ومستمر داخل مراكز التربية الخاصة، بما يضمن تمكين الأسر، ورفع كفاءتها الوالدية، وتحقيق أعلى مستويات جودة الحياة للطفل وأسرته على حد سواء.
