شهد النظام الجزائي الاردني خلال السنوات الاخيرة تطورا ملحوظا في فلسفة العقاب، انتقل فيه من الاعتماد شبه الكامل على العقوبات السالبة للحرية، الى تبني بدائل قانونية حديثة تهدف الى الاصلاح واعادة الادماج المجتمعي. 

 

وياتي نظام بدائل العقوبات السالبة للحرية كاحد اهم هذه التحولات، منسجما مع التوجهات الدولية الحديثة، ومراعيا لحقوق الانسان ومتطلبات العدالة الجنائية المعاصرة.

 

قال وزير العدل الدكتور بسام التلهوني، اليوم الأربعاء، ان الوزارة وسعت تطبيق العقوبات البديلة، لافتا الى اجراء تعديل على قانون العقوبات خلال المجلس الحالي، بهدف تعزيز هذا النهج وتوسيع نطاقه ضمن اطار قانوني منظم.

 

واوضح التلهوني في تصريحات ان العقوبات البديلة تقوم على استبدال العقوبة السالبة للحرية بعقوبة اخرى بحق غير المكررين، مبينا ان الوزارة اتاحت للمحاكم تطبيق هذه الاحكام بناء على طلب يتقدم به المحكوم عليه.

 

وبين ان من ابرز اشكال العقوبات البديلة الخدمة المجتمعية، موضحا انها لا تفرض من القاضي وانما تطبق بناء على رغبة المحكوم عليه، لافتا الى ان اي جنحة او جناية لا تتجاوز عقوبتها ثلاث سنوات تكون مشمولة بالعقوبة البديلة، باستثناء الجرائم التي استثناها القانون.

 

واضاف ان تطبيق العقوبات البديلة يخضع لشروط محددة، في مقدمتها عدم التكرار، وموافقة المحكمة على استبدال العقوبة السالبة للحرية بعقوبة بديلة، مشيرا الى ان ضابط الارتباط في المحكمة يتولى دراسة الطلب والحالة الاجتماعية وتحديد البديل المناسب ورفع تقريره للمحكمة.

 

واكد ان المحكمة تقرر قبول طلب الاستبدال او رفضه استنادا الى تقرير ضابط الارتباط، لافتا الى ان غالبية من طبقت عليهم العقوبات البديلة كانوا من اصحاب المهن، نظرا لما تسببه العقوبة السالبة للحرية من فقدان وظائفهم وانعكاسات سلبية عليهم وعلى اسرهم.

 

وشدد التلهوني على ان العقوبات البديلة تعزز العدالة الاجتماعية ولا تمس بسيادة القانون، مؤكدا ان عنصر الردع متوافر فيها، وانها تنفذ مجانا ودون مقابل، بما يخدم المصلحة العامة ويحقق اهداف الاصلاح.

 

مفهوم بدائل العقوبات السالبة للحرية

 

تعرف بدائل العقوبات السالبة للحرية بانها عقوبات قانونية تحل محل عقوبة الحبس او السجن في بعض الجرائم، ويتم تنفيذها خارج مراكز الاصلاح والتاهيل، وفق ضوابط وشروط محددة نص عليها قانون العقوبات الاردني وتعديلاته، وبخاصة المادة 25 مكررة.

 

وتهدف هذه البدائل الى تقويم سلوك المحكوم عليه، واعادة دمجه في المجتمع، والحد من الاثار السلبية للسجن قصير المدة.

 

تطور فلسفة العقاب

 

لم تكن العقوبة في مراحلها التاريخية الاولى سوى وسيلة للانتقام او الردع القاسي، حيث ركزت على ايقاع الاذى بالجاني. ومع تطور المجتمعات، تغيرت النظرة الى المجرم باعتباره فردا في المجتمع يمكن اصلاحه واعادة تاهيله.

 

ونتيجة لازدياد الاكتظاظ في السجون، وارتفاع كلفة الاحتجاز، برزت الحاجة لاعتماد عقوبات بديلة تحقق الردع دون عزل المحكوم عليه عن مجتمعه.

 

السند القانوني لبدائل العقوبات في الاردن

 

اقر المشرع الاردني بدائل العقوبات السالبة للحرية بموجب المادة 25 مكررة من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته، كما صدر نظام وسائل واليات تنفيذ بدائل العقوبات السالبة للحرية رقم 46 لسنة 2022، والذي نظم بشكل تفصيلي اجراءات الحكم بالعقوبة البديلة واليات تنفيذها والجهات المختصة بالاشراف عليها.

 

انواع بدائل العقوبات السالبة للحرية

 

حدد القانون الاردني بدائل العقوبات السالبة للحرية على سبيل الحصر، وتشمل ما يلي:

 

الخدمة المجتمعية

 

وتتمثل بالزام المحكوم عليه وبموافقته القيام بعمل غير مدفوع الاجر لخدمة المجتمع، لمدة تحددها المحكمة، على الا تقل عن خمسين ساعة، وبمعدل خمس ساعات يوميا. وتهدف هذه العقوبة الى تعزيز شعور المسؤولية والانتماء لدى المحكوم عليه.

 

البرامج التاهيلية

 

وهي اخضاع المحكوم عليه وبموافقته لبرامج اصلاحية وتاهيلية تهدف الى تقويم سلوكه وتحسينه، ويتم تحديد نوع البرنامج ومدته من قبل المحكمة، بحسب طبيعة الجريمة والحالة الاجتماعية للمحكوم عليه.

 

البرامج العلاجية من الادمان

 

يجوز للمحكمة اخضاع المحكوم عليه لبرنامج علاجي من الادمان، وذلك بموافقته، في حال ثبت ان الجريمة مرتبطة بحالة ادمان، ويهدف هذا البديل الى معالجة السبب المؤدي للجريمة.

 

المراقبة الالكترونية

 

وهي اخضاع المحكوم عليه لرقابة الكترونية شاملة لتحركاته، باستخدام اجهزة تقنية تتيح تتبع موقعه والتاكد من التزامه بالقيود المفروضة عليه.

 

حظر ارتياد اماكن معينة

 

ويتمثل بمنع المحكوم عليه من دخول اماكن او مناطق جغرافية محددة، لما لذلك من دور في منع تكرار الجريمة او الاحتكاك بعوامل الخطورة.

 

الاقامة الجبرية

 

الزام المحكوم عليه بالاقامة في منزله او ضمن نطاق جغرافي محدد، بشكل كلي او جزئي، ولمدة تقررها المحكمة، ويكون هذا البديل مقترنا بالمراقبة الالكترونية.

 

التدابير المقترنة ببدائل العقوبات

 

يجوز للمحكمة ان تقرن اي بديل من البدائل بتدبير او اكثر، ومنها منع السفر لمدة محددة، او الزام المحكوم عليه بتقديم تعهد مالي بعدم التعرض او التواصل مع اشخاص او جهات معينة، بما يحقق حماية المجتمع والمجني عليه.

 

نطاق تطبيق بدائل العقوبات

 

تطبق بدائل العقوبات السالبة للحرية في جميع الجنح، وفي الجنايات التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها الاشغال المؤقتة او الاعتقال المؤقت لمدة ثلاث سنوات، باستثناء حالات التكرار. 

 

كما يجوز للمحكمة بعد صدور الحكم واستنادا الى تقرير الحالة الاجتماعية، استبدال ما تبقى من مدة العقوبة اذا كان المحكوم عليه حسن السيرة والسلوك، وبشرط ان لا تزيد المدة المتبقية على سنة.

 

الجرائم المستثناة من التطبيق

 

استثنى القانون مجموعة من الجرائم من تطبيق بدائل العقوبات، من بينها الجنايات الواقعة على امن الدولة، جرائم الارهاب، جرائم المخدرات، جرائم الاغتصاب والخطف، الجرائم الواقعة على الاشخاص دون صلح، جرائم التعذيب، الجرائم العسكرية، وجرائم غسل الاموال وتمويل الارهاب.

 

دور وزارة العدل

 

تتولى وزارة العدل الاشراف العام على تنفيذ بدائل العقوبات السالبة للحرية، وتقوم بالتنسيق مع الجهات المعتمدة، ومتابعة تنفيذ الاحكام، وضمان التزام المحكوم عليهم بشروط البديل المحكوم به.

 

الجهات المعتمدة لتنفيذ العقوبات البديلة

 

قامت وزارة العدل بتوقيع مذكرات تفاهم مع عدد كبير من الجهات الحكومية والمؤسسات الرسمية والجامعات، من بينها وزارات الصحة، التربية، الشباب، الزراعة، العمل، التنمية الاجتماعية، امانة عمان الكبرى، مديرية الامن العام، وعدد من الجامعات الرسمية، ومؤسسات المجتمع المدني، لتوفير اماكن مناسبة لتنفيذ بدائل العقوبات.

 

الاثار الايجابية لبدائل العقوبات

 

تسهم بدائل العقوبات السالبة للحرية في تعزيز حقوق الانسان، والحد من الاكتظاظ داخل مراكز الاصلاح، وتقليل النفقات المالية على الدولة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمحكوم عليه، كما تساعد في اعادة تاهيله ودمجه بالمجتمع، وتقلل من نسب العودة الى ارتكاب الجريمة.

 

العقوبة المترتبة على العبث بادوات التنفيذ

 

يعاقب القانون كل من يقوم بالعبث او اتلاف الادوات المستخدمة لتنفيذ بدائل العقوبات، بقصد التخلص من التدبير المفروض عليه، بالحبس مدة لا تزيد على سنة او بغرامة لا تتجاوز مئتي دينار او بكلتا العقوبتين، مع الزام الفاعل بدفع قيمة الادوات المتلفة.

 

التطبيقات القضائية

 

اكدت محكمة التمييز الاردنية في عدد من احكامها ان العقوبات البديلة تشكل توجها عقابيا حديثا، وانها قابلة للتطبيق حتى على الاحكام القطعية في بعض الجنايات غير الواقعة على الاشخاص، متى توافرت شروط عدم التكرار، واعتبرت ان التوسع في تطبيق العقوبات البديلة ينسجم مع مبدأ القانون الاصلح للمتهم.

 

في المحصلة، يشكل نظام بدائل العقوبات السالبة للحرية في التشريع الاردني نقلة نوعية في السياسة العقابية، ويعكس توجها واضحا نحو تحقيق العدالة الاصلاحية بدلا من العقاب التقليدي. ويعد هذا النظام اداة فعالة لتحقيق التوازن بين حماية المجتمع، وحقوق المحكوم عليه، واعادة ادماجه كفرد صالح ومنتج، بما يخدم مصلحة الفرد والمجتمع والدولة على حد سواء.