قال الكاتب ماهر أبو طير إن الجدل الدائم حول مفهوم “الوزارات السيادية” يحتاج إلى مراجعة عميقة، موضحا أن حصر السيادة في وزارتي الداخلية والخارجية، رغم وجاهته الجزئية، لا يعكس الصورة الكاملة لمعنى الدولة حين تكون معنية بحياة مواطنيها اليومية.

 

وأضاف في مقال أن القطاعات السيادية الحقيقية في أي بلد هي الصحة والتعليم والتقاعد الاجتماعي، لأنها القطاعات الأكثر التصاقا بحياة الناس ومستقبلهم، مبينا أن المواطن إذا ضمن علاجه وتعليمه وشيخوخته، فإنه يكون أكثر طمأنينة واستقرارا.

 

وتابع أن رئيس وزراء أسبق اعترف خلال جلسة خاصة بأن أكبر خطأ ارتكبته الحكومات في الأردن تمثل في عدم التركيز الكافي على قطاعي الصحة والتعليم، معتبرا أن صيانة هذين القطاعين تمثل ما أسماه “المكافأة الاجتماعية” التي تعزز صبر الشعوب.

 

ورأى أن هذا الاعتراف لم يكن عابرا، بل جاء في سياق تقييم اخفاقات الحكومات، التي تحولت في مراحل كثيرة إلى حكومات منشغلة بالاقتراض وسداد الديون وتغطية الرواتب، أكثر من انشغالها ببناء قطاعات خدمية قوية ومستدامة.

 

وقال الكاتب إن السؤال المطروح اليوم يتمثل في ماهية “المكافأة الاجتماعية” المقدمة للأردني، في ظل شعور متزايد بالفجوة بين الاغنياء والفقراء، وغياب الفرص العادلة، وانتشار انماط من الفساد الاداري او سوء ادارة الموارد.

 

وأضاف في مقاله أن كل الاموال التي تجمعها الخزينة تذهب في معظمها إلى الرواتب وسداد الديون، بينما تتراجع مستويات الخدمات الصحية والتعليمية، مبينا أن المواطن يدفع كلفة هذه الحقوق من جيبه، لكنه لا يلمس التطوير المأمول.

 

وتابع أن اخطر ما يمكن ان يحدث هو السماح بتسلل دعوات تدعو إلى خصخصة الصحة والتعليم باعتبارها الحل، مؤكدا أن التعامل مع هذه الملفات بمنطق الارقام فقط يتجاهل بعدها الاجتماعي والوطني، حتى لو لم تتبن الحكومة رسميا هذا التوجه.

 

ورأى أن الواقع الحالي يكشف حجم المعاناة، فالأب يستدين لتعليم ابنه، والطالب يتخرج ليصطدم بالبطالة، والمستشفيات تعاني ضغطا في البنية التحتية وقلة التمويل، متسائلا كيف سيكون الحال اذا انتقلت هذه القطاعات بالكامل إلى منطق السوق.

 

وقال الكاتب إن المدارس والجامعات والمستشفيات ليست مجرد مؤسسات خدمية، بل هي ركائز استقرار داخلي، مضيفا أن أي تعديل في الضمان الاجتماعي يجب أن يراعي اوضاع الناس الاقتصادية، لا أن يبنى فقط على معادلات مالية جامدة.

 

وختم بأن الصحة والتعليم والتقاعد الاجتماعي قطاعات سيادية بامتياز، لا يجوز التعامل معها باعتبارها عبئا ماليا، بل باعتبارها استثمارا في استقرار الدولة ومستقبلها، مؤكدا أن الرسالة في هذا التوقيت مقصودة وواضحة.