مع دخول الحرب الاميركية الاسرائيلية على ايران اسبوعها الثاني، اشتد التوتر العسكري والسياسي في المنطقة، حيث توعد الرئيس الاميركي دونالد ترمب طهران بضربات قوية جدا واكثر اتساعا، في المقابل، وجه الرئيس الايراني مسعود بزشكيان اعتذارا الى الدول المجاورة التي تعرضت لهجمات من جانب ايران، معلنا تعليق استهدافها الا في حال انطلاق هجمات منها على بلاده.
وترافق اعتذار بزشكيان مع استمرار الضربات المتبادلة، ومع رسائل عسكرية ايرانية اكدت ان القواعد والمصالح الاميركية والاسرائيلية في المنطقة ستظل اهدافا مشروعة، ما يعكس تباينا واضحا بين خطاب التهدئة السياسية والعمليات الميدانية.
وقال ترمب ان ايران ستتعرض لضربة قوية جدا، مضيفا ان واشنطن تدرس بسبب سلوك ايران السيئ استهداف مناطق ومجموعات من الاشخاص لم يكن يجري النظر في استهدافها حتى هذه اللحظة، محذرا من الدمار التام والموت المحتم، كما نسب الفضل لنفسه في اعتذار بزشكيان للدول المجاورة، قائلا ان هذا التنازل لم يتم الا بسبب الهجوم الاميركي والاسرائيلي المستمر.
تهديدات متبادلة وتصعيد اللهجة
وكتب ترمب على منصة تروث سوشيال ان ايران كانت تتطلع الى الاستيلاء على الشرق الاوسط وحكمه، معتبرا ان ما يجري يمثل المرة الاولى التي تخسر فيها ايران منذ الاف السنين امام دول الشرق الاوسط المجاورة.
واضاف لم تعد ايران متنمر الشرق الاوسط، بل اصبحت الخاسر في الشرق الاوسط، وستظل كذلك لعقود عديدة حتى تستسلم او على الارجح تنهار تماما.
وفي تصريحات منفصلة، قال ترمب ان الولايات المتحدة تبلي بلاء حسنا في الحرب، مضيفا ردا على سؤال بشان تقييم الاداء من صفر الى عشرة: ساعطيها من 12 الى 15، وزعم ان الجيش الايراني والبحرية الايرانية ووسائل الاتصالات اختفت، وان سلاح الجو الايراني تم القضاء عليه، مشددا على ان رديفين من القادة الايرانيين قتلا، مدعيا ان ايران وصلت الى الرديف الثالث.
رفض الاستسلام وتصعيد اللهجة
في المقابل، قال بزشكيان في خطاب متلفز ان الاعداء سياخذون حلمهم باستسلام الشعب الايراني معهم الى القبر، ردا على مطالبة ترمب طهران بالاستسلام غير المشروط، واضاف ان مجلس القيادة الموقت قرر عدم استهداف دول الجوار وعدم اطلاق صواريخ عليها، الا اذا تعرضت ايران لهجوم من اراضي تلك الدول.
وقال بزشكيان اعتذر باسمي وباسم ايران للدول المجاورة التي هاجمتها ايران، مؤكدا ان طهران لا تنوي الاعتداء على اي دولة، ودعا الى تجاوز الخلافات والمخاوف الداخلية، كما حذر جماعات في دول الجوار من استغلال الظروف لمهاجمة ايران، وفي رسائل اخرى عبر منصة اكس، قال ان العلاقات الودية مع حكومات المنطقة لا تتعارض مع حق ايران الاصيل في الدفاع عن نفسها ضد العدوان العسكري الاميركي والاسرائيلي، مؤكدا ان العمليات الدفاعية الايرانية تستهدف حصرا الاهداف والمنشات التي تعد مصدر ومنطلق الاعمال العدوانية ضد الشعب الايراني.
واضاف ان ايران لم تهاجم الدول الصديقة والمجاورة، بل استهدفت القواعد والمنشات والمرافق العسكرية الاميركية في المنطقة، وفي تبريره للهجمات التي استهدفت دولا مجاورة خلال الايام الماضية، قال بزشكيان ان القوات المسلحة نفذت الاجراءات اللازمة بقرار ميداني عندما غاب القادة، بعد مقتل قادة كبار والمرشد في الساعات الاولى من الحرب.
غموض الموقف الإيراني وتصعيد العمليات
لكن هذا الموقف لم ينهِ الغموض، اذ اعلن الحرس الثوري بعد ساعات من خطابه ان طائراته المسيرة استهدفت قاعدة الظفرة الجوية قرب ابوظبي، فيما اعلنت وسائل اعلام ايرانية رسمية سماع دوي انفجارات هائلة في عدة مناطق من طهران.
وتجاوز نطاق الحرب حدود الجمهورية الاسلامية مع استمرار ايران في الرد بهجمات على اسرائيل ودول الجوار، ولم يتضح الى اي مدى يعكس موقف بزشكيان قرارا ايرانيا بالتراجع، ام انه ينبغي تفسيره على انه تحذير مشروط، مع ابقاء خيار الضربات الاقليمية قائما.
ومع استمرار غياب اي افق سياسي واضح لوقف الحرب، واصل ترمب المطالبة بالاستسلام غير المشروط، وكتب لن يكون هناك اتفاق مع ايران سوى عبر الاستسلام غير المشروط، واضاف بعد ذلك وبعد اختيار قائد (او قادة) عظماء ومقبولين، سنبذل نحن والعديد من حلفائنا وشركائنا الرائعين والشجعان جهودا حثيثة لانقاذ ايران من حافة الهاوية، وجعلها اقوى وافضل اقتصاديا من اي وقت مضى.
وقال سفير ايران لدى الامم المتحدة امير سعيد ايرواني ان الهجمات الاميركية والاسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 1332 مدنيا ايرانيا، واصابت الالاف، وقالت اسرائيل ان هجمات ايران اودت بحياة 11 شخصا، فيما اعلنت الولايات المتحدة مقتل ستة على الاقل من جنودها.
غارات مكثفة على طهران واستهداف البنية التحتية
ميدانيا، شهدت طهران مع حلول السبت غارات هي من الاعنف منذ بدء الحرب، وافادت وسائل اعلام ايرانية بسماع دوي انفجارات قوية في مناطق عدة من العاصمة، وذكرت وكالة تسنيم التابعة للحرس الثوري ان الانفجارات سمعت في شمال وجنوب وشرق وغرب ووسط طهران.
وافادت وكالة ايسنا بسماع دوي انفجارات في بعض مناطق العاصمة عند الساعة 1:55 فجرا بالتوقيت المحلي، وتحدثت تقارير عن استهداف بلدة استقلال الصناعية غرب طهران، فيما قال رئيس بلدية العاصمة علي رضا زاكاني ان اي ضربة لن تشل العاصمة.
وأظهرت مقاطع فيديو اندلاع حريق وتصاعد السنة اللهب داخل مطار مهر اباد في غرب طهران عقب غارات اسرائيلية استهدفت المنطقة في وقت مبكر السبت، وانتشر مقطع فيديو لاحقا يظهر طائرة محترقة على مدرج المطار، كما تجددت الضربات على مقر مقداد التابع للحرس الثوري في غرب طهران.
ولم تقتصر الضربات على طهران، فقد تحدثت وسائل اعلام ايرانية عن دوي انفجارات في مدينة قزوين غرب العاصمة، فيما افادت السلطات الايرانية بمقتل 63 شخصا في غارات اميركية اسرائيلية على اصفهان وسط البلاد، كما سمع دوي انفجار في جزيرة كيش جنوب ايران، وقالت وكالة تسنيم ان طائرة مسيرة من طراز هيرميس اسقطت قبالة سواحل بندر عباس جنوب البلاد.
كما هزت انفجارات مطار عسكري في اصفهان ومطار مدينة شيراز وقاعدة نوجه القتالية لسلاح الجو الايراني في همدان غرب البلاد.
ووجه وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي تهما للجيش الاميركي بضرب محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم الواقعة في الخليج العربي.
وقال عراقجي ان الولايات المتحدة ارتكبت جريمة صارخة، مضيفا ان الهجوم اثر على امدادات المياه في 30 قرية، وتابع ان استهداف البنية التحتية في ايران خطوة خطيرة ستكون لها عواقب جسيمة، وان الولايات المتحدة هي التي ارست هذا النهج وليس ايران.
وقال رئيس البرلمان الايراني محمد باقر قاليباف ان الهجوم على محطة تحلية المياه في جزيرة قشم نفذ بدعم من احدى القواعد الجوية في دول الجوار، واضاف قاليباف في منشور على منصة اكس ان هذا العمل الاجرامي سيحصل على رد مناسب، مؤكدا ان القواعد العسكرية الاميركية في المنطقة تحولت الى منصات لشن عمليات ضد ايران، وشدد على ان اي نقطة تستخدم منطلقا لاي هجوم على ايران ستعد هدفا مشروعا للرد.
في الجانب الاخر، اعلن الجيش الاسرائيلي ان اكثر من 80 طائرة مقاتلة شاركت في موجة جديدة من الضربات على طهران واجزاء اخرى من غرب ووسط ايران، وقال ان الغارات استهدفت عدة مواقع عسكرية بينها جامعة الامام حسين العسكرية التابعة للحرس الثوري، واضاف ان الضربات شملت منشات لتخزين الصواريخ الباليستية ومركز قيادة تحت الارض وعدة مواقع لاطلاق الصواريخ.
كما قال الجيش الاسرائيلي ان ايران اطلقت ست دفعات صاروخية منفصلة باتجاه اسرائيل، ما ادى الى انطلاق صفارات الانذار في بعض المناطق وتفعيل الدفاعات الجوية، وافاد لاحقا بان ايران اطلقت دفعة اخرى قبل الفجر بقليل، بينما سمع دوي ثلاثة انفجارات على الاقل في سماء القدس.
صواريخ متطورة وهجمات بحرية
أعلن الحرس الثوري اطلاق صواريخ استراتيجية ودقيقة تعمل بالوقود الصلب والسائل من طراز فتاح وعماد ضمن موجة جديدة من العمليات الجارية، كما قال ان ثلاثة صواريخ اطلقت باتجاه اسرائيل واصابت اهدافها المحددة.
وقال الحرس الثوري ايضا ان تدمير انظمة الرادار التابعة للعدو خلال الموجات السابقة جعل اصابة الاهداف اسهل بكثير، مؤكدا ان جميع الصواريخ التي يتم اطلاقها تصيب اهدافها المحددة في قاعدة بالبحرين.
وفي تطور اخر، اعلن الحرس ان طائراته المسيرة استهدفت قاعدة الظفرة الجوية قرب ابوظبي، كما تحدثت بيانات ايرانية عن استهداف ناقلة نفط في الخليج وعن اصابة ناقلة ترفع علم جزر مارشال.
واعلن الجيش الايراني ان القوات البحرية شنت هجمات بمسيرات على اهداف في اسرائيل بينها منشاة استراتيجية، كما قال الجيش الايراني ان القوات البحرية استهدفت حاملة الطائرات الاميركية ابراهام لينكولن بصاروخ ساحل بحر.
في الحدود مع اقليم كردستان العراق، اعلن الحرس الثوري انه استهدف ثلاثة مواقع لجماعات معارضة كردية في منطقة كردستان العراق عند الساعة 4:30 صباحا بالتوقيت المحلي.
وحذر متحدث باسم القوات المسلحة تلك الجماعات من اي اجراء يهدد سلامة اراضي ايران، قائلا: سوف نسحقهم، وفي المقابل، اعلنت قيادة الحرس الثوري في محافظة كردستان ان الامن على الحدود الغربية والشمالية الغربية لايران مستتب بالكامل.
وفي ملف الخليج، قال المتحدث باسم القوات المسلحة الايرانية ابو الفضل شكارجي ان طهران حريصة على امن مضيق هرمز وتؤكد انها تسيطر عليه لكنها لا تعتزم اغلاقه، واضاف ان الضربات التي تعرضت لها الولايات المتحدة خلال الايام القليلة الماضية غير مسبوقة في تاريخها، معتبرا ان الجيش الاميركي يعاني من تراجع في المعنويات وحالة انهاك.
وقال شكارجي ان الدول التي لا تضع اراضيها او اجواءها في تصرف العدو ستحظى باحترام ايران، مضيفا ان الضربات ضد الولايات المتحدة واسرائيل ستتواصل، كما حذر اقليم كردستان العراق من اي تعاون مع واشنطن، قائلا ان اي مرافقة او تعاون مع الولايات المتحدة ستواجه برد قاس، مهددا بان القوات الايرانية ستسحق الاقليم اذا حدث ذلك.
وفي السياق نفسه، قال المتحدث باسم الحرس الثوري علي محمد نائيني ان طهران ترحب وتنتظر اي وجود اميركي في مضيق هرمز، واضاف ان ايران ترحب بالتصريحات الاميركية المتعلقة بمرافقة ناقلات النفط ووجود قوات اميركية لعبورها المضيق، ودعا الولايات المتحدة الى تذكر حادثة احتراق ناقلة النفط الاميركية (بريجتون) عام 1987 والناقلات التي استهدفت اخيرا في تحذير من تداعيات اي تحركات في المضيق، وكان البيت الابيض قد قال ان الولايات المتحدة ستعمل على مرافقة ناقلات النفط لضمان حرية الملاحة في هرمز.
كما قال المتحدث باسم مقر خاتم الانبياء غرفة العمليات المشتركة في هيئة الاركان الايرانية ان اي نقطة تكون منطلقا للاعتداء على ايران تعد هدفا مشروعا، وقال ان اي محاولة للدخول قد تنتهي بالوصول الى قاع الخليج.
واضاف ان ايران ضربت الولايات المتحدة واسرائيل ودمرتهما، مؤكدا ان الجمهورية الاسلامية لم تعتد حتى الان على المصالح الوطنية وسيادة الدول المجاورة وانها تحترم ذلك، لكنه شدد على ان اي نقطة تنطلق منها الهجمات ضد ايران ستعد هدفا مشروعا وان الدول التي لم تضع اجواءها وامكاناتها في خدمة العدو لم تكن هدفا حتى الان ولن تكون هدفا في المستقبل.
وفي السياق نفسه، قال غلام حسين محسني اجئي رئيس السلطة القضائية عضو المجلس الموقت وفق المادة 111 من الدستور ان الادلة لدى القوات المسلحة الايرانية تشير الى ان جغرافيا بعض دول المنطقة وضعت علنا او سرا في خدمة العدو ويجري استخدامها من تلك النقاط للاعتداء على ايران.
واضاف ان الهجمات الشديدة على هذه الاهداف ستستمر وان هذه الاستراتيجية قيد التنفيذ حاليا وان الحكومة وسائر اركان النظام متفقة عليها.
كما اكد ان ايران لن تضرب من لم يعتد عليها لكن حق الدفاع المشروع للدولة المعتدى عليها معترف به في الوثائق والقانون الدولي.
عملية ملحمة الغضب الأميركية وتعازي دولية
وعلى المستوى العسكري الاميركي، قالت القيادة المركزية ان الولايات المتحدة ضربت اكثر من 3000 هدف خلال الايام السبعة الاولى من عملية ملحمة الغضب، كما تضررت او دمرت 43 سفينة ايرانية، وافادت تقارير اميركية بان حاملة طائرات ثالثة قد تنشر في الشرق الاوسط، واعلنت البحرية الاميركية ان حاملة الطائرات يو اس اس جورج اتش دبليو بوش انهت تدريباتها قبل الانتشار فيما دخلت يو اس اس جيرالد ار فورد الى المنطقة ونشر البنتاغون صورا تظهر عبورها قناة السويس الى جانب المدمرة يو اس اس باينبريدغ.
وفي واشنطن، قال البيت الابيض ان ترمب سيحضر السبت مراسم نقل جثامين الجنود الاميركيين الستة الذين قتلوا في الخارج.
وقال الكرملين ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر عن تعازيه لبزشكيان بعد الخسائر المدنية العديدة الناجمة عن العدوان المسلح الاسرائيلي الاميركي على ايران، ودعا الى وقف فوري للاعمال القتالية.
دوليا، اعلن الكرملين ان بوتين اجرى اتصالا هاتفيا مع بزشكيان مؤكدا موقف روسيا الداعي الى وقف فوري للاعمال العدائية ورفض استخدام القوة والعودة الى المسار الدبلوماسي.
وفي السياق نفسه، حذر الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريش من ان العنف في الشرق الاوسط قد يتصاعد الى درجة تتجاوز سيطرة اي شخص، داعيا الى وقف القتال والبدء في مفاوضات دبلوماسية جادة.
