تخلف الحروب دمارا ماديا وخسائر في الارواح، لكن الاثار على الاطفال قد تكون اقوى، فالاطفال الذين يعيشون في مناطق الصراعات يواجهون تحديات نفسية كبيرة تؤثر على نموهم وتطورهم، وتجعلهم عرضة لمشكلات نفسية عديدة.
ووفقا لدراسات عديدة، فان الحروب والصراعات المستمرة تعرض الاطفال لمشكلات نفسية مثل القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، وتلعب هذه المشكلات دورا في اضعاف المناعة، ما يجعل اجسامهم عرضة للامراض، كما تؤثر سلبا على تشكيل الهوية الشخصية والمعرفية.
ويتعرض الاطفال خلال الحروب لاضطرابات نفسية مثل اضطراب ما بعد الصدمة، والذي غالبا ما يرتبط بالاكتئاب والقلق ومشكلات سلوكية، وتختلف شدة التاثير بحسب العمر والجنس والظروف الاجتماعية والمادية، اضافة الى دعم الوالدين والارتباط الروحي.
الحروب ومناعة الأطفال
واجرى باحثون مراجعة تحليلية نشرت في مجلة غلوبال بيدياتريكس، لدراسة الاثر النفسي للحروب على الاطفال في مناطق مثل فلسطين واوكرانيا، واظهرت النتائج ان التاثيرات النفسية تكون اشد لدى الاطفال النازحين الى مخيمات اللاجئين مقارنة بمن بقوا مع عائلاتهم في مناطقهم رغم الحرب.
ووفقا لنتائج الدراسة لوحظ ان الاطفال في مناطق النزاع اعترتهم سلوكيات غير متعمدة، وسيطرت عليهم تصرفات عدوانية وحالات من الهيجان والاندفاعية نتيجة الصدمة التي احدثت ضغطا نفسيا يصعب احتماله لديهم.
ويؤدي التعرض الطويل والمستمر لظروف الحروب الى زعزعة المناعة الداخلية للاطفال من خلال خلخلة الجهاز المناعي، الى جانب ما تتسبب به من اضطراب النوم واعاقة نمو وتطور الخلايا الجسدية.
تأثيرات على الذاكرة واللغة
ويذكر ايضا في هذا الصدد التاثير غير المباشر للحروب والنزاعات على مناعة الجسم، اذ يترتب على مثل هذه الظروف احيانا سوء التغذية والميل للخمول وقلة الحركة، فتؤدي مجتمعة الى تدهور المناعة في الجسم وتركه عرضة للامراض المزمنة.
واظهرت دراسات ان حدة الاثار النفسية السلبية التي يعاني منها الاطفال في هذه الظروف ترتبط مباشرة مع مدى تكرار وشدة ظروف الحرب التي يعايشونها، فكلما كانت اعنف واطول كانت العواقب اكثر ضررا.
والضغط النفسي المزمن الذي يتعرض له الاطفال مطولا ينشط عمل المحور الذي يجمع بين الغدد تحت المهاد والنخامية والكظرية، والذي بدوره اذا ما طال تنشيطه تختل معه وظائف عديدة مهمة فتعيق استكمال نمو ونضج الدماغ كما ينبغي له في هذه المرحلة، فتتضرر الذاكرة وتنخفض القدرة على التركيز واكتساب اللغة.
كيف نعتني بنفسية أطفالنا؟
كما تتدهور القدرات المعرفية والقدرة على اداء الوظائف المتعلقة بها، وكنتيجة يصبح الطفل اكثر عرضة للاصابة بالاكتئاب والقلق واضطرابات نفسية اخرى قد ترافقه مرورا بالمراهقة وربما حتى البلوغ، وذلك اذا لم تعالج.
وتشير التوصيات التي خرجت بها الدراسة الى ان الدعم العاطفي للاطفال في مناطق الحروب، والاستجابة الايجابية الدافئة التي يقدمها الوالدان لاطفالهم خلال الازمات والصراعات احد اهم الوسائل الوقائية لتخفيف حدة المشكلات التي قد تصيبهم وتعرقل نموهم.
واعتمدت الدراسة في توصياتها حول كيفية تقديم الرعاية للاطفال في مناطق الصراعات والنزاع على ما اقترحه نموذج بيتانكورت، والذي يرتكز على 3 اسس وفقا للفئات المستهدفة، وهي التدخلات الشاملة والتدخلات الموجهة والتدخلات المتخصصة.
الصلابة النفسية
وتجدر الاشارة الى ان الخبراء حددوا 5 عناصر اساسية لابد من تعزيزها وتنميتها لدى المتضررين من الحروب والصدمات، وهي الشعور بالامان والهدوء النفسي، والشعور بالقيمة والكفاءة، والترابط والتواصل مع الاشخاص المحيطين، والشعور بالامل ودحر الاحباط.
وفي محاولة لالقاء الضوء على طرق اخرى للمساعدة التي يمكن تقديمها للاطفال في مناطق الحروب، اجرت مجموعة من الدارسين دراسة تدخلية استهدفت اطفال غزة بعد حرب عام 2008، وركزت الدراسة على ما سمته المرونة النفسية في التعامل مع الظروف الصعبة كالازمات والحروب.
لا يمكن ان نسيطر على الظروف من حولنا في معظم الاوقات، لكننا بالطبع نستطيع التحكم بردود افعالنا ومواجهة هذه الظروف لطرد الخطر النفسي الذي قد يقف حائلا بيننا وبين كثير من المشاعر التي تدفع بنا نحو الانجاز والسعادة، وهي دروع يستطيع الاباء والامهات تزويد اطفالهم بها ليكبروا اصحاء نفسيا بغض النظر عما يحدث حولهم.
