لم تقتصر المواجهة في الشرق الاوسط منذ هجمات 7 اكتوبر 2023 على الصواريخ والطائرات المسيرة، بل اتسعت لتشمل جبهة موازية لا تقل خطورة، وهم مهندسو السرديات والحرب النفسية.
وبرز متحدثون عسكريون ووجوه اعلامية شكلوا العمود الفقري لسرديات المقاومة، واداروا معركة الرواية والصورة والانطباع العام تحت مظلة واسعة شكلتها القوى المتحالفة مع ايران.
لم يكن هؤلاء مجرد ناطقين باسماء فصائلهم او جيوشهم، بل كانوا كذلك مهندسي خطاب متكامل يقود حربا تستهدف الخصوم والجمهور معا، ومن تحتهم عملت شبكات متشعبة من المنصات والناشطين والاذراع الاعلامية التي اعادت انتاج الرسائل وتضخيمها عبر الفضاء الرقمي والاعلام التقليدي بما يخدم سرديات القوى الحليفة لايران في المنطقة.
ضربات موجعة لمنظومة الحرب النفسية
ومع تصاعد العمليات العسكرية من غزة الى لبنان وصولا الى الحرب الاخيرة على ايران، تعرضت هذه المنظومة لضربات مركزة ازاحت عددا من ابرز وجوهها، وباتت سردية المحور من دون ألسن او اصوات.
وقتل المتحدث باسم الحرس الثوري الايراني علي محمد نائيني فجر الجمعة 20 اذار 2026 في ضربة اميركية اسرائيلية ليغيب بذلك احد ابرز الوجوه التي ادارت الخطاب الدعائي للجهاز العسكري في اشد مراحل الحرب حساسية.
وكان نائيني البالغ من العمر 69 عاما يشغل منصب المتحدث الرسمي ونائب العلاقات العامة في الحرس الثوري منذ تموز 2024، وهو موقع يتجاوز الوظيفة الاعلامية التقليدية الى ادارة الرسائل السياسية وتثبيت رواية المؤسسة في الداخل والخارج.
نائيني مهندس الحرب الادراكية
وقبل ساعات من اعلان مقتله نسبت اليه وكالة فارس التابعة للحرس الثوري تصريحات قال فيها ان الصناعة الصاروخية تستحق العلامة الكاملة.
وبرز نائيني خلال حرب الـ12 يوما في حزيران 2025 والحرب الجارية الان بوصفه احد مهندسي الحرب النفسية في الخطاب الايراني الرسمي، وفي مداخلاته الاعلامية قدم المواجهة على انها حرب متزامنة نفسية وادراكية وتكنولوجية وعسكرية مشددا على اهمية الرواية والصورة والانطباع العام في حسم المعارك الميدانية.
واضاف كان لافتا تركيزه على دور الاعلام في رواية الميدان ومواجهة الحرب الادراكية للخصوم معربا عن اعتقاده ان الهدف الرئيسي للطرف الاخر يتجاوز ضرب القدرات العسكرية الى تفكيك الدولة واضعاف التماسك الداخلي.
من هو أبو علي العسكري؟
وقبل مقتله كرر نائيني الوعيد بـ المفاجات واستمرار القدرة على الردع، وبذلك يمثل مقتله ليس فقط خسارة اعلامية بل ضربة لاحد الوجوه التي ادارت المعركة على مستوى الرسائل والتاثير النفسي بقدر ما ادارتها المؤسسة على مستوى النار والردع.
ولم يكن ابو علي العسكري شخصا بقدر ما كان وظيفة اعلامية امنية معقدة مثّل حلقة الوصل بين القرار الميداني والمنصة الاعلامية واداة لفرض الايقاع السياسي وفق الرؤية الايرانية في العراق.
واعلن مقتله في 16 اذار 2026 عقب هجمات صاروخية استهدفت مواقع في بغداد بينها منزل في حي الكرادة كان يعتقد انه يضم اجتماعا لقيادات فصائل مسلحة مع ترجيحات بانه استهدف ايضا ضمن ضربات اخرى شرق العاصمة.
أبو عبيدة الصوت الملثم
ورغم ذلك فان هويته الحقيقية وملابسات مقتله بقيتا جزءا من الغموض الذي شكل اساس تاثيره.
ووحدة قياس ابو علي العسكري كانت تشمل ايضا وضع قواعد اشتباك ورسم حدود الاوزان السياسية للاعبين المحليين من السنة والكرد والتلويح بالعصا تجاه المقاربات العراقية مع الخارج بما في ذلك العلاقة مع المحيط العربي والخليجي والدولي، وبالنظر الى تاثيره فسيبدو الاداة الفعالة التي كانت تتكفل توجيه العملية السياسية كي ترسو دائما عند المقاربة الايرانية في العراق.
وتحول ابو عبيدة رمزا اعلاميا بارزا بفضل حضوره الملثم وخطابه الذي جمع بين التهديد والتعبئة النفسية، وقاد منظومة اعلام القسام عقدين واسهم في تثبيت هوية بصرية وصوتية مؤثرة في الوعي الجمعي.
اغتيال عفيف ضربة للبنية الإعلامية
وازدادت شهرة ابو عبيدة بشكل كبير خلال الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة عام 2014، وهي الحرب التي استمرت نحو 55 يوما، وكان ابو عبيدة فيها حلقة الوصل بين المقاتلين في الانفاق والعقد القتالية المختلفة وبين اهل غزة وكذلك بين غزة والعالم.
واكتسب ابو عبيدة شعبية كبيرة داخل فلسطين وفي الدول العربية المختلفة لمصداقيته فلم يكن يميل الى المبالغة كثيرا في وصف العمليات العسكرية وكذلك لفصاحته وقوة لغته العربية.
وكان اول ظهور لـ ابو عبيدة سجل في عامي 2002 و2003 بوصفه احد مسؤولي القسام الميدانيين، ثم نظم اول مؤتمر صحافي له في 2 تشرين الاول 2004 بمسجد النور شمال قطاع غزة حيث اعلن عن عدد من العمليات العسكرية التي نفذتها كتائب القسام ضد قوات ودبابات اسرائيلية ضمن عمليات اطلق عليها ايام الغضب.
أبو حمزة.. الوجه الإعلامي للفصائل الفلسطينية
وقتل في 30 اب 2025 بضربة جوية اسرائيلية استهدفت مبنى في حي الرمال غرب مدينة غزة حيث كان موجودا وفق الرواية الاسرائيلية.
ويعد محمد عفيف من ابرز مهندسي الاعلام في حزب الله حيث تولى ادارة العلاقات الاعلامية وصياغة الرسائل السياسية سنوات طويلة وكان قريبا من قيادة الحزب.
وبرز دوره بشكل استثنائي بعد اغتيال قيادات الحزب في 2024 حين ملأ فراغا اعلاميا حساسا.
ودفعت مواقف عفيف بعض الاعلاميين الى وصفه بـ الصحاف اشارة الى وزير الاعلام العراقي محمد سعيد الصحاف لعدهم انه يوهم الناس وجمهور الحزب بـ بطولات وهمية وان ما يقوله يجافي الواقع.
ويقول باحثون عن عفيف انه تولى المسؤوليات الاعلامية في الحزب منذ اكثر من 30 سنة، وكان مستشارا اعلاميا لنصر الله وكانت له علاقات اعلامية مع كثير من الصحافيين اللبنانيين والعرب وطور العمل الاعلامي في الحزب وتولى في احدى المراحل ادارة تلفزيون المنار، وباغتياله بات التصعيد الاسرائيلي كبيرا للضغط على المقاومة في لبنان.
واغتيل عفيف في 17 تشرين الثاني 2024 بغارة اسرائيلية استهدفت مبنى بمنطقة راس النبع في بيروت في واحدة من الضربات التي طالت البنية الاعلامية لـ الحزب.
وكان ابو حمزة احد ابرز الوجوه الاعلامية للفصائل الفلسطينية بصفته الناطق العسكري باسم سرايا القدس منذ 2014.
واعتمد خطابا مباشرا ومكثفا يربط بين العمليات العسكرية والتاثير النفسي خصوصا في ملف الاسرى.
واسمه الحقيقي هو ناجي ماهر ابو سيف وقد كشف عنه اول مرة عقب مقتله بعد ان عرف بـ الرجل الملثم طيلة سنوات حفاظا على هويته الامنية.
وقتل في 18 اذار 2025 بغارة جوية اسرائيلية استهدفت منزله في وسط قطاع غزة ما ادى الى مقتله مع عدد من افراد عائلته.
