في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه وزارة الزراعة خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي وحماية الثروة الحيوانية، تتكشف ممارسات تثير القلق وتطرح تساؤلات حقيقية حول آليات اتخاذ القرار، بل وحول تضارب المصالح الذي قد يُدار على حساب المزارع الأردني ومربي المواشي.

القضية تبدأ بملاحظات فنية سُجلت على عدد من المزارع، وهو إجراء طبيعي ضمن الرقابة الدورية. لكن غير الطبيعي هو ما تلا ذلك: إلغاء إعادة الكشف على هذه المزارع بقرار من جهة متنفذة " س ج "، في خطوة تقوض أساس الرقابة وتفرغها من مضمونها. فكيف يمكن ضمان سلامة القطاع إذا تم تعطيل أدوات التحقق الأساسية بهذه السهولة؟

المسألة لا تقف عند هذا الحد، بل تتعمق بشكل أكثر خطورة مع الحديث عن ارتباطات خارجية تخدم مصالح خاصة. وجود مختبر خارج البلاد، وتحديدًا في سوريا، يطرح علامات استفهام كبرى حول تضارب المصالح، خاصة إذا كان ذلك يتقاطع مع قرارات تؤثر مباشرة على السوق المحلي. هل يُعقل أن تُفتح الأبواب أمام ترتيبات قد تمنح أفضلية لمنتجات أو خدمات خارجية على حساب المنتج الأردني؟

الأخطر من ذلك هو منح موافقات “مبدئية” لمرور (ترانزيت) في ظروف حساسة، دون دراسة كافية لتبعات القرار على القطاع المحلي. في ظل واقع اقتصادي صعب، يعاني فيه المزارع الأردني أصلًا من ارتفاع التكاليف وضعف القدرة التنافسية، فإن أي قرار غير محسوب قد يكون بمثابة ضربة قاصمة.

ولا يمكن تجاهل العامل الصحي، حيث تأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه القطاع من تداعيات الحمى القلاعية، وسط اتهامات واضحة بعدم توفير المطاعيم بالشكل الكافي. وهنا تتحول المسألة من مجرد خلل إداري إلى تهديد مباشر للثروة الحيوانية وللاستقرار الاقتصادي المرتبط بها.

المزارع الأردني اليوم لا يطلب امتيازات، بل يطالب بالحد الأدنى من العدالة: رقابة حقيقية، قرارات شفافة، وحماية من منافسة غير متكافئة. أما استمرار هذا النهج، فهو لا يعني فقط خسائر مالية، بل يفتح الباب لفقدان الثقة بالمؤسسات المعنية.

إن ما يحدث يستدعي وقفة جادة، ومراجعة شاملة لكل القرارات التي تم اتخاذها في هذا السياق. فحماية الثروة الحيوانية ليست خيارًا، بل واجب وطني، وأي تهاون فيها هو تهاون بمصدر رزق آلاف العائلات، وبأحد أعمدة الأمن الغذائي في الأردن