تتجه الأنظار نحو مدينة سرت الليبية التي تستعد لاستضافة مناورات «فلينتلوك 2026» خلال الشهر الجاري بمشاركة قوات من الشرق والغرب، ورغم استمرار حالة الانقسام السياسي والعسكري التي تشهدها البلاد، إلا أن تصريحات صدرت عن أطراف عسكرية من كلا الجانبين، تظهر رغبة متزايدة في استغلال هذا الحدث كمنصة للتقارب في ملف توحيد الجيش.
وأثارت هذه الرسائل تساؤلات حول إمكانية أن تتجاوز المناورة التي ترعاها القوات الأميركية في أفريقيا، الجانب الميداني، لتصبح نقطة انطلاق نحو خطوات جادة لتشكيل جيش ليبي موحد، وهو الهدف الذي لم يتحقق منذ انهيار نظام معمر القذافي.
وبين الخصوم الذين تقاتلوا في حرب طرابلس (2019 – 2020)، طرأ تحول ملحوظ في لغة الخطاب نحو مزيد من التقارب، ففي شرق ليبيا، بدا هذا التغير واضحا في تصريحات نائب قائد «الجيش الوطني» صدام خليفة حفتر، الذي أكد على «قدرة شباب ليبيا على الوحدة» و«مهنية المؤسسة العسكرية»، مشيرا إلى مشاركة عسكريين من «طرابلس والمدن الليبية كافة»، في محاولة لكسر الانقسام بين الشرق والغرب.
تفاؤل حذر يرافق المناورات
والمغزى نفسه أكده رئيس الأركان الفريق أول خالد حفتر، مبينا أن مناورة «فلينتلوك» تعكس حرص العسكريين على «وحدة البلاد»، بل وأشار إلى أن «تدريب ورفع كفاءة أبناء المؤسسة العسكرية شرقا وغربا وجنوبا» يمثل «دعما حقيقيا لجيش ليبيا الذي سيلتئم بعون الله ليصونها ويحميها».
وفي المقابل، قدم وكيل وزارة الدفاع في غرب ليبيا، عبد السلام زوبي، وصفا رمزيا للحدث، موضحا أن التمرين هو «لقاء البنادق التي طال بها الفراق»، في إشارة إلى سنوات النزاع، بل ووصفه بأنه «تجسيد حي لإرادة توحيد المؤسسة العسكرية».
وتلقى المراقبون هذه الرسائل المتبادلة بتفاؤل، وعزز هذا التفاؤل اختيار سرت موقعا للمناورات، نظرا لما تمثله المدينة الواقعة في وسط الساحل الليبي من نقطة توازن جغرافي بين الشرق والغرب، مما يمنحها طابعا «محايدا نسبيا» يتيح مشاركة قوات من مختلف المناطق.
سرت.. من بؤرة صراع إلى منصة تعاون
كما تقدم سرت في الخطاب الرسمي كنموذج للتحول من بؤرة صراع، بعدما كانت أحد أبرز معاقل تنظيم «داعش»، إلى منصة للتدريب والتعاون الدولي، ففي حين يبرز خطاب قيادة الجيش في شرق البلاد المدينة بوصفها «انتصرت على الإرهاب»، يعيد مسؤولون في غرب ليبيا تقديمها باعتبارها رمزا للالتقاء بعد سنوات من الانقسام.
ولكن، ورغم هذه الرسائل، يرى عدد من الخبراء أن ما يجري لا يزال يندرج ضمن إطار «التوحيد الرمزي»، وهنا قال وزير الدفاع الليبي الأسبق، اللواء محمد البرغثي، إن إجراء مناورة عسكرية في مدينة سرت بمشاركة قوات من شرق وغرب البلاد، إلى جانب عناصر من القيادة الأميركية في أفريقيا، لا يمكن اعتباره مؤشرا على توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
وأوضح البرغثي أن «إجراء تمرين عسكري بين قوات تتبع قائدين مختلفين، أحدهما في غرب ليبيا والآخر في شرقها، لا يعكس بأي حال صورة جيش ليبي موحد تحت قيادة واحدة»، واضاف أن «وحدة الجيش تعني وجود قيادة موحدة، وخضوع جميع التشكيلات العسكرية لإمرة رجل واحد يعرف بالقائد العام».
عقبات تواجه توحيد الجيش الليبي
واعتبر البرغثي أن ما يحدث في سرت «أقرب إلى نموذج للتعاون العسكري بين قوى مختلفة، وليس دليلا على توحيد الجيش الليبي»، مؤكدا أن «تحقيق الوحدة العسكرية الحقيقية يتطلب أولا توحيد القيادة والقرار العسكري».
ولا تبتعد تقديرات الوزير الليبي السابق عما رصده باحثون ليبيون من عقبات تعرقل هذا التوحيد، من بينها تعقيدات موروثة منذ عهد معمر القذافي، وغياب عقيدة عسكرية موحدة، فضلا عن تباين هياكل القيادة بين شرق البلاد وغربها، حيث توجد قيادة عامة في الشرق مقابل نظام رئاسة أركان في الغرب.
وتأتي هذه التطورات في ظل انقسام سياسي بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، التي تتبعها مجموعات مسلحة، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في بنغازي، والمدعومة من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.
أبعاد استراتيجية لمناورات فلينتلوك
وتعد مناورات «فلينتلوك»، التي انطلقت عام 2005، أكبر تدريب سنوي للقوات الخاصة في أفريقيا، وتهدف إلى تعزيز قدرات مكافحة الإرهاب وبناء الشراكات بين الدول المشاركة.
ورغم الطابع العسكري للمناورة، ترى بعض التقديرات أن «فلينتلوك 2026» تمثل محطة ذات أبعاد استراتيجية أوسع، خصوصا مع حلول موعدها بعد أيام من اتفاق بين أطراف ليبية في الشرق والغرب على توحيد الموازنة العامة برعاية أميركية، بعد سنوات من التعثر.
وفي هذا السياق، يرى الباحث المتخصص في شؤون الأمن القومي الليبي، فيصل أبو الرايقة، أن ما يجري يعكس «مقاربة متكاملة» لإعادة التموضع الأميركي داخل ليبيا والمنطقة، مما يمنح الحدث أهمية خاصة من حيث التوقيت والدلالات.
مسار متكامل
وأوضح أن المشهد الليبي بات أقرب إلى «مسار متكامل» تتقاطع فيه الترتيبات العسكرية مع التفاهمات المالية، معتبرا أن تزامن المناورات مع الدفع نحو توحيد الميزانية يعزز هذا الاتجاه.
وبحسب تقديره، فإن هذا التوازي بين المسارين الأمني والمالي قد يشير إلى توجه عملي لإعادة تشكيل مركز القرار في البلاد، والدفع نحو توحيد الجهاز التنفيذي ضمن مظلة تجمع بين الأبعاد الأمنية والمالية.
وتشير تقديرات بحثية إلى أن استضافة «فلينتلوك» في ليبيا تحمل أيضا رسائل تتعلق بدمج البلاد ضمن منظومة أمنية غربية، بالتوازي مع موازنة النفوذ الروسي.
وبينما تعكس الخطابات المصاحبة للمناورات رغبة في الدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية، يبقى التحدي الرئيسي في ترجمة هذه الرسائل إلى خطوات عملية تتجاوز الطابع الرمزي، نحو إعادة هيكلة فعلية للجيش الليبي تحت قيادة موحدة.
