وسط ترقب وقلق، يتحرك سكان ضاحية بيروت الجنوبية بحذر نحو منازلهم لتفقدها وسحب ما تيسر من حاجياتهم، مستغلين هدوءا غير معلن، يحيط به الشك وعدم اليقين.
ومنذ التصعيد الذي شهده الأسبوع الماضي، لم تسجل أي غارات إسرائيلية على المنطقة، رغم التحليق المستمر للطائرات المسيرة، وكشفت وسائل إعلام عن تصريحات منسوبة لمسؤول في «حزب الله» تشير إلى "تحييد" محتمل للعاصمة وضاحيتها الجنوبية، دون تأكيد قاطع، بينما لم يصدر أي إعلان رسمي من الدولة اللبنانية أو إسرائيل أو الولايات المتحدة، مما يزيد من قلق السكان.
لكن بين التهدئة الغامضة وغياب الغارات، يعيش الناس على أمل مؤقت، يختبرونه بحذر قبل الانسحاب، خشية انتهاء الهدوء المفاجئ.
عودة مؤقتة وقرارات مصيرية
في منطقة المريجة، وصفت زينب هذا الوضع قائلة: إن الشعور بالأمان لم يترسخ رغم الحديث عن تحييد بيروت، لكنه أتاح فرصة لجلب الكتب المدرسية لابنتها.
واضافت: أن قرار النزول لم يكن سهلا، لكنها شعرت بضرورة استغلال أي فرصة متاحة لحماية مستقبل ابنتها الدراسي، مؤكدة أن التعليم يمثل "محاولة للتمسك بالحياة" في ظل الظروف الصعبة.
وداخل منزلها، جمعت الكتب والدفاتر بسرعة وغادرت، موضحة أن اللحظة كانت مشحونة بالتناقض، وأن الشوارع بدت هادئة بشكل مريب، وبينت أن هذه الخطوة كانت فعلا من أفعال الأمومة في وجه القلق.
"نزول خاطف" واستعادة تفاصيل الحياة
لكن زينب أشارت إلى أن هذا الهدوء لا يغير من الواقع، وأنها تتعامل مع أنباء التهدئة بحذر، ولا تبني عليها قرارات طويلة الأمد، معتبرة أن الهدوء الحالي "صمت ثقيل يسبق المجهول".
وفي بئر العبد، وصف حسن ما يحدث بأنه "نزول خاطف"، مؤكدا أن الأهالي يستغلون لحظات قصيرة لاستعادة بعض ما تركوه خلفهم.
واكد أن الناس ينزلون لعشر دقائق أو ربع ساعة فقط، لالتقاط ما يستطيعون ثم المغادرة فورا، وبين أن هذا السلوك يعكس تغيرا في حسابات الناس مع استمرار الأزمة، وأن الكثيرين نزلوا لجلب ملابس صيفية بعدما ظنوا أن النزوح سيكون قصيرا.
الحنين والخوف في الضاحية الجنوبية
واضاف أن الحاجة ليست الدافع الوحيد للنزول، فالحنين يلعب دورا أيضا، مشيرا إلى تجربته الشخصية في برج البراجنة، حيث قام بتغيير زيت سيارته كمحاولة للتمسك بتفصيل صغير من حياته الطبيعية.
ووصف المشهد في الضاحية بأنه متقلب ومربك، ففي لحظة يشعر المرء بالأمان، ويرى الناس في الشارع والمحال مفتوحة، لكن هذا الإحساس هش، وبعض الطرق تشهد حركة محدودة، بينما تبدو أخرى شبه مشلولة.
وشدد على أن الحنين يدفع الناس إلى النزول، لكن الخوف يوقفهم عند أول زاوية، وأن ردود الفعل تتباين بين من يتفقد بيته من داخل السيارة فقط، ومن يرفض المخاطرة تماما.
صدمة السرقة وتساؤلات حول الأمان
وفي منطقة السان تيريز، تحولت تجربة العودة إلى صدمة، حيث نزل أحد السكان إلى منزله بعد سماعه عن تحييد بيروت، لكنه فوجئ بأن المنزل تعرض للسرقة.
وقال: إنه أراد أن يرى البيت بعد أسابيع من الغياب، لكن اللحظة التي توقع أن تحمل الطمأنينة تحولت إلى صدمة، مشيرا إلى أن الخسارة لم تكن مادية فقط، بل نفسية أيضا، وشعر بأن الأمان الذي استند إليه لم يكن موجودا أصلا.
ووصف إحساسه عند الوصول بأنه "ثقيل لا يوصف"، وأن التجربة كشفت عن هشاشة كل ما يبنى على عناوين التهدئة، وطرحت سؤالا أكبر عن معنى الأمان نفسه في ظل واقع متقلب.
حارة حريك: حذر وترقب مستمر
وفي حارة حريك، يبدو المشهد أكثر حذرا، حيث أكد مروان أن الحركة لا تزال محدودة ومتقطعة، مع غياب أي مؤشر إلى عودة واسعة للسكان، وأن بعض الأحياء شبه خالية، وأخرى تشهد حركة خجولة لا تعكس اطمئنانا فعليا.
وبين أن هذا التفاوت يرتبط بتقدير كل مجموعة لمستوى المخاطر، وأن الناس يتصرفون بحذر شديد، فالبعض يفضل التريث، والبعض الآخر يحاول تدبير أموره بالحد الأدنى، لكن القلق يبقى العامل الحاسم حتى لدى من يخرجون لقضاء حاجاتهم.
واضاف أنه اضطر إلى النزول لتأمين احتياجات أسرته، خصوصا الملابس، استعدادا لمرحلة قد تطول، وأنه جلب ملابس صيفية وربيعية لأنه يشعر بأن الحرب لن تنتهي قريبا.
أما عن الإحساس بالأمان، فوصفه بأنه "ارتياح مؤقت سرعان ما يتلاشى"، وأن الحديث عن التهدئة يمنح الناس لحظة نفسية أفضل، لكنهم في داخلهم لا يزالون يتوقعون الأسوأ، لذلك لا يتصرفون كأن الأمور حسمت نحو التهدئة.
