في صندوق أشبه بالتابوت، يقبع جسد لم يفارق الحياة بعد، عيناه شاخصتان نحو الظلام، صرخاته لا تجد لها صدى، هذا ما رواه اسير محرر عن تجربته القاسية.
داخل زنزانة ضيقة، قضى عماد ابو نبهان، وهو أسير محرر، خمسة عشر يوما، كان يؤخذ للتحقيق ثم يعاد الى ذلك الصندوق، استعدادا لجولة جديدة من العذاب، ضمن رحلة أسر دامت عامين، يقول عماد: "ما عشته كان موتا بطيئا، كنت روحا بلا جسد، وتمنيت الموت في كل لحظة".
واضاف أن السجان كان يمرر له الطعام عبر انبوب رفيع، من خلال ثقب صغير في التابوت، كان سائلا أشبه بـ"مكمل غذائي"، الهدف منه إبقائه حيا لا إنقاذه، مبينا أن الغاية كانت إطعامه ليتمكن من العودة الى غرفة التحقيق.
العذاب بألوان شتى
التابوت كان العقاب الذي اختير لعماد بعد رفضه التعاون، عرضوا عليه المال، والمشاريع التجارية، والإفراج الفوري، ملوحين بحياة مريحة خارج الاسوار، لكن جوابه كان الرفض القاطع، معقبا: "لا ديني ولا اخلاقي ولا تربيتي تسمح لي بمجرد التفكير بذلك، ولو اعدموني".
كما استخدموا الحرب النفسية ضده، حين اخبروه بمقتل والده وافراد من عائلته، في محاولة لكسر ما تبقى فيه، يقول: "مع خبر قتل عائلتي وصلت لأقسى مراحل اليأس، شعرت ان خروجي لم يعد له أي داع".
ورغم تحرر عماد في الصفقة الاخيرة لتبادل الاسرى، بعد اتفاق وقف اطلاق النار، لا يزال يشعر انه لم يخرج بعد، وما برح يسكنه التابوت، وتطارده تفاصيله، ويتلقى علاجا للتشنجات التي اصابته بعد الانهيار النفسي الذي خلفته تلك الايام السود، بحسب وصفه.
26 عملية تدريبية في 54 يوما
لكن التابوت لم يكن أقسى ما عاشه المحررون، فبينما سلب جسد عماد داخل صندوق ضيق، فقد عادل صبيح جزءا من جسده خارجه، اذ خسر ساقه في اعتقال لا يقل وحشية.
واعتقل عادل من مستشفى الشفاء بمدينة غزة خلال اجتياحه في مارس، بينما كان ينتظر دوره في غرفة العمليات لعلاج كسر في فخذه بتثبيت سيخ من البلاتين، نقل المصاب حينها في ظروف مهينة شملت تقييدا على المدرعات واستخدامه درعا بشريا، ثم سحب على الارض لمسافات طويلة فوق ركام وجثث، وصولا الى مراكز الفرز ثم معسكرات الاعتقال.
وآنذاك كان عادل يضرب بشكل متكرر ومتعمد على موضع اصابته حتى فقد احساسه بساقه، وترك ينزف لفترات طويلة دون علاج.
ويؤكد انه نقل لاحقا الى مستشفى سوروكا عبر مركبة اسعاف كان يتعرض فيها للحرق بالسجائر، حيث طلب منه التوقيع على قرار بتر ساقه، رغم ان ما كان يعاني منه كسر عادي قابل للعلاج، ويقول انه اجبر على التوقيع تحت الضغط والضرب، وان جنديا قال له "انت ميت ميت هنا، فاختر اما البتر او لن تتلقى اي علاج".
كما خضع عادل لتدخلات جراحية وصفها بالـ"تجارب"، امتدت على مدى 54 يوما وشملت نحو 26 عملية، وسط غياب شبه كامل للمعايير الطبية واستمرار الالم والتعذيب الجسدي.
ابتزاز وضغط وآثار ما بعد السجن
ولا تتوقف شهادته عند ذلك، اذ يروي عادل ان والده كان معتقلا معه داخل السجون، وان الاحتلال استخدم ذلك اداة ضغط نفسي وابتزاز، حيث كان يهدد الاب مرارا باذاء ابنه او بتر اطرافه للحصول على معلومات لا يملكونها اصلا، في محاولة لكسر الطرفين نفسيا.
واضاف ان اللقاءات المعدودة خلال حملات نقل الاسرى داخل المعتقل، رغم قسوتها، شكلت لحظات صمود نادرة، في ظل ظروف احتجاز وصفت بانها قائمة على التجريد من الانسانية.
وختم روايته مشيرا الى ان ما تعرض له لم يكن حادثا منفصلا، بل جزءا من منظومة اعتقال وتعذيب طويلة، امتدت حتى بعد الافراج عنه، اذ لا يزال يخضع لعلاج مستمر لمضاعفات جسدية ونفسية خلفها الاعتقال والبتر والتعذيب المتكرر.
ولا تزال اثار ما مر به حاضرة في جسده حتى اليوم، فلم تنته رحلة علاجه بتحرره قبل عام، بل بدأ مرحلة جديدة في مشافي غزة، حيث يحتاج رعاية طبية لمضاعفات اصاباته وما حل به داخل السجون الاسرائيلية.
استهداف في "مناطق حسّاسة"
وبينما خاض عادل معركته مع البتر، كان أسرى آخرون يواجهون مآسي مختلفة، لا ينتزع فيها الاحتلال اطرافهم فقط، بل يستهدف مناطق اشد حساسية وخصوصية في الجسد، كما حدث مع الاسير المحرر "علي" (اسم مستعار)، الذي روى تفاصيل "القمع" الذي تعرض له داخل معسكر سدي تيمان، والذي خلف اضرارا بالغة في اعضائه التناسلية.
واشار الرجل الى ان ذلك جاء بعد اقتحام نحو 30 جنديا القسم الذي كان معتقلا فيه، حيث وقع عليه الاختيار عشوائيا لينال نصيبه من الضرب والتنكيل.
يقول: "تهافت علي 10 جنود، والصقوني بالحائط، وطلبوا مني رفع يدي وفتح ساقيّ، ثم انهالوا علي بالضرب بالهراوات على المنطقة الحساسة".
وسبق تلك اللحظة دقائق من الرعب كما وصفها الاسير، حيث القيت عشرات قنابل الصوت داخل القسم، مصحوبة بصراخ الجنود واوامر تجبر الاسرى على الانبطاح ارضا وهم مقيدون، قبل ان يبدؤوا رفقة كلابهم، باختيار ضحاياهم واحدا تلو الاخر.
لم يكن الضرب عابرا، بل استهدافا مباشرا لمناطق حساسة او قاتلة في الجسد، ويصف تلك اللحظة "ضربوني عشرات المرات بين فخذيّ، صار عندي انتفاخ شديد، لم استطع بعده المشي ولا الجلوس ولا النوم".
واستمر الالم مع الاسير لايام طويلة دون اي تدخل طبي حقيقي، ما ادى الى تفاقم حالته، قبل ان ينقل لاحقا الى مستشفى سوروكا مكبلا ومعصوب العينين، دون ان يتلقى علاجا فعليا يوقف تدهور حالته.
القمع الممنهج
ولا تتوقف الشهادة عند تلك الحادثة، اذ يفتح الاسير بابا على مشهد اشد قسوة داخل السجون، حيث تحول المرض الى معاناة مضاعفة، في سجن النقب، يقول الاسير المحرر علي "ظهرت على جلود بعض الاسرى دمامل منتشرة في اجسادهم".
وفي ظل الاهمال الطبي، اضطروا للتدخل بانفسهم في ظروف بدائية، مضيفا "سخن الاسرى حديدة على النار، وفتحوا الدمامل داخل الحمام لاخراج القيح".
ولا تبدو "القمعة" حادثة معزولة، بل جزءا من منظومة عقاب ممنهج، يبدأ بالقنابل وينتهي باجساد تترك لتلتئم وحدها او لا تلتئم ابدا.
