تتصاعد حدة النقاشات حول التداعيات الاقتصادية الناجمة عن التوترات الإقليمية على مصر، وذلك على الرغم من ظهور بعض المؤشرات التي تدل على التهدئة في المنطقة مؤخرا. وتتزايد المخاوف بشأن ملفات حيوية مثل الديون الخارجية، وتأمين إمدادات الطاقة، وارتفاع الأسعار، حيث تشهد هذه القضايا نقاشات واسعة عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية.
ويعبر البعض عن قلقه من استمرار الآثار الاقتصادية السلبية حتى بعد انتهاء هذه التوترات، خاصة في ظل تأثيرها الواضح على أسعار السلع وزيادة تكاليف تأمين إمدادات الطاقة. واضاف خبير اقتصادي، في تصريحات صحفية، إلى ضرورة سعي مصر للحصول على تعويضات اقتصادية من الأطراف المتنازعة، مؤكدا أن مصر تعد من بين الدول التي تضررت بشكل كبير جراء الصراعات الإقليمية في السنوات الأخيرة، وخاصة من حرب غزة والتوترات الإقليمية الأخرى.
ورغم الهدنة المستمرة بين بعض الأطراف المعنية، وفي خضم المحادثات الجارية حول اتفاق محتمل بينها، أشار رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إلى أن حكومته تتعامل مع المرحلة الراهنة على أنها مرحلة انتقالية تتسم بعدم الاستقرار. وبين مدبولي، في مؤتمر صحافي عقده مؤخرا، أن الوضع الحالي يستدعي الاستعداد لمختلف السيناريوهات المحتملة، في ظل الضغوط المستمرة على أسواق الطاقة والتدفقات المالية.
تحديات الديون وخطط الحكومة لمواجهتها
وتطرق الإعلامي عمرو أديب إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها مصر، موضحا خلال برنامجه التلفزيوني أن مصر تواجه وضعا دقيقا ليس فقط بسبب تجدد الصراعات، بل أيضا بسبب التقارير التي تتحدث عن طلب الحكومة المصرية لمبلغ 3 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي لمواجهة الآثار المترتبة على الأوضاع الحالية. واشار أديب إلى أن البلاد تحتاج إلى إعفاء من الديون، على غرار ما حدث في فترات سابقة.
ويعتبر ملف الديون من المواضيع التي يتم تداولها باستمرار على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يرى العديد من المستخدمين أنها تزيد من الأعباء على الاقتصاد المصري. وطالبت بعض الحسابات بضرورة التفاوض مع الجهات المانحة لإسقاط جزء من هذه الديون. والجدير بالذكر، صرح وزير المالية المصري أحمد كجوك مؤخرا بأن حجم دين قطاع الموازنة المصرية يبلغ حاليا 77.5 مليار دولار.
واوضح كجوك أن الحكومة المصرية تهدف إلى خفض حجم الدين الخارجي ليصل إلى 78 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول شهر يونيو من العام القادم. وتداول إعلاميون ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي مقترحات تدعو إلى فتح حساب بنكي لجمع التبرعات من المواطنين المصريين بهدف المساهمة في سداد الديون الخارجية. ودعا عضو مجلس النواب المصري مصطفى بكري إلى فتح حساب في البنك المركزي لهذا الغرض.
مبادرات مجتمعية لدعم الاقتصاد المصري
واكد بكري، في تصريحات صحفية، أنه اقترح هذه المبادرة بعد أن أبدى عدد من النواب رغبتهم في التبرع للمساهمة في سداد الديون. وأضاف أن هناك تجارب سابقة لدعم شعبي للحكومة في أوقات الأزمات، مثل شهادات الادخار التي تم طرحها عند إطلاق مشروع قناة السويس الجديدة في عام 2015. وبين أن الحكومة تمكنت في ذلك الوقت من جمع 64 مليار جنيه مصري في غضون أسبوع واحد.
ويرى النائب في البرلمان المصري أن المبادرة المجتمعية لجمع التبرعات لسداد الديون لا تعكس وجود أزمة اقتصادية حقيقية، خاصة في ظل توافر احتياطي استراتيجي آمن من السلع الأساسية. وقال إن الهدف من هذه المبادرة هو دعم الحكومة لتجاوز أزمة أعباء الديون وفوائدها، والتي تحد من أي تحسن في مؤشرات الاقتصاد المصري. وفي سياق متصل، كانت بعض التقديرات الدولية قد أشارت في بداية الأزمة الإقليمية إلى أن مصر ستكون من بين الدول الأكثر تضررا.
غير أن مدبولي أشار إلى أن التقييمات الأحدث تعكس تحسنا نسبيا في وضع الاقتصاد المصري، ليصنف ضمن الدول متوسطة التأثر. وارجع ذلك إلى سرعة استجابة الحكومة واتخاذها قرارات حاسمة في التوقيت المناسب. ويرى الخبير الاقتصادي المصري مصطفى بدرة أن المصريين يدفعون فاتورة اقتصادية واجتماعية نتيجة للتوترات الإقليمية، على الرغم من أن بلادهم لم تكن طرفا فيها.
تأثيرات إقليمية وتوصيات بالتعويض
واشار بدرة إلى أنه لا يمكن الحديث عن أي تحسن حقيقي في الوضع الاقتصادي طالما أن هذه التوترات لم تتوقف بشكل نهائي، مستشهدا بالتضارب الذي حدث في مسألة فتح وإغلاق مضيق هرمز في الساعات الأخيرة، موضحا أن ذلك ينعكس سلبا على استقرار الأسواق الإقليمية والعالمية. ويضيف بدرة أن مصر يجب أن تطالب بتعويض من الأطراف المتسببة في الأزمة الحالية، مؤكدا أن الاقتصاد المصري تكبد خسائر فادحة بسبب اضطراب الملاحة في قناة السويس نتيجة للتوترات الإقليمية.
ونوه بدرة إلى أن الفاتورة الاقتصادية لهذه الأزمات يجب أن تشارك فيها الدول المتسببة في الصراع، بما في ذلك الولايات المتحدة. وتتحوط الحكومة المصرية من التأثيرات الاقتصادية الناتجة عن هذه التوترات، كما فعلت في أوقات سابقة. وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن بلاده تكبدت خسائر تقارب 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب الأزمات الإقليمية، بالإضافة إلى آثار أخرى مباشرة وغير مباشرة.
