مع اقتراب موعد انتخابات الهيئات المحلية في الضفة الغربية، كثف جيش الاحتلال الإسرائيلي مداهماته لمدن وبلدات فلسطينية، ونفذ حملات اعتقال وتحقيق ميداني استهدفت عددا من المرشحين، وصلت في بعض الأحيان إلى حد الاعتقال والتهديد بالتصفية المباشرة.
فخلال مداهمات شهدتها بلدة بلعا شمال شرقي طولكرم، جرى اعتقال نحو 33 شخصا، غالبيتهم من المرشحين لانتخابات البلدية، حيث تلقوا تهديدات ووعيدا.
بلال جيتاوي، وهو مرشح عن قائمة "الوفاق"، أفاد بأن قوات الاحتلال اقتحمت منزله واعتقلته لمدة عشر ساعات، وأجرى ضابط إسرائيلي تحقيقا معه، متهما إياه بأنه مرشح مدعوم من حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وهو ما نفاه جيتاوي، مؤكدا استقلاليته.
التدخل في الانتخابات
واضاف جيتاوي أن المحقق الإسرائيلي أصر على تهديده بضرورة الانسحاب من الترشح، مبررا ذلك بادعاء أن حماس تدعمه، واعتبر جيتاوي ذلك تدخلا سافرا في حق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه في الهيئات المحلية.
من جهته، قال محمد سليمان، رئيس بلدية بلعا الحالي، إن اثنين من وجهاء البلدة والداعمين للقوائم المرشحة اعتقلا، ولم يفرج عنهما حتى الآن، بينما جرى تهديد بقية المرشحين بضرورة سحب ترشحهم وإلا سيعتقلون، مبينا أن الهدف هو إفشال الانتخابات بشكل كلي.
وفي سياق متصل، اوضح سليمان أن البلدة تشهد تنافسا بين ثلاث قوائم مستقلة، وأن اعتقال الاحتلال للمرشحين وبعض الداعمين أثار حالة من التخوف لدى الأهالي، ما دفعهم إلى تقليص الدعاية الانتخابية واللقاءات بين العائلات الداعمة للمرشحين.
تأثير الاعتقالات
ويؤكد بهاء أبو ستة، وهو أسير محرر من بلدة بلعا، أن احتجاز المرشحين والتحقيق معهم ميدانيا أثر سلبا على حماس الناس تجاه الاقتراع، وخلق حالة من التخوف لدى كثيرين.
واضاف أبو ستة أنه تعرض للاحتجاز مع 33 شخصا من المرشحين في قوائم البلدة، إضافة إلى عدد من الداعمين، مبينا أن الضابط الإسرائيلي هدده بعدم الوصول إلى مركز الاقتراع أو إعطاء صوته لأي قائمة.
يذكر أن عدد القوائم المترشحة لانتخابات الهيئات المحلية بالضفة الغربية بلغ 365 قائمة لـ 183 هيئة محلية، فيما بلغ عدد المرشحين 2731 مرشحا، يتنافسون على رئاسة الهيئات المحلية في البلدات والقرى.
تهديدات بالتصفية
ولم تقتصر الاعتقالات على بلدة بلعا، بل شملت مرشحين وداعمين لقوائم انتخابية في عدة بلدات فلسطينية، ووصلت التهديدات أحيانا إلى التصفية.
وبينما رفضت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تعديلا رئاسيا على شروط الترشح للانتخابات ألزم المرشحين بالتوقيع على إقرار بالالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية والشرعية الدولية كشرط للمشاركة، لا تشارك حركة الجهاد الإسلامي في أي انتخابات.
وفي بلدة عصيرة الشمالية، قرب نابلس، تحدث "ب. ك" عن تجربة اعتقاله مؤخرا والتحقيق معه ميدانيا، موضحا أن الجنود اقتحموا البلدة واعتقلوه رفقة 12 شخصا آخر، وكلهم من كوادر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حيث نقلوا إلى سجن الاحتلال وخضعوا لتحقيق ميداني تركز على الانتخابات البلدية في عصيرة والقوائم المطروحة.
رسالة الاحتلال
وبحسبه، فإن الاحتلال أوصل رسالته بشكل واضح بتدخله في انتخابات المجالس المحلية في عدد كبير من البلدات في الضفة.
واضاف أن المعتقلين كانوا من عناصر الجبهة الشعبية، وأن اللافت تزامن اعتقالهم مع رفاق لهم من بلدات بيت فوريك وبرقة قضاء نابلس، وقد هددوا مباشرة بضرورة سحب الدعم الذي يقدمونه كأبناء الجبهة لأي من المرشحين، مؤكدا أن ضابط المخابرات قال لهم: "إذا لم تسحب الجبهة الشعبية دعمها للمرشحين، ستتم تصفيتهم".
هذه التهديدات دفعت أهالي بلدة عصيرة الشمالية للتخلي عن القوائم المطروحة واللجوء إلى التزكية (اختيار أشخاص دون اقتراع) بدلا من إجراء الانتخابات، كما سحبت الجبهة الشعبية دعمها للمرشحين في بلدة بيت فوريك.
تراجع الاهتمام
ورغم أن آخر انتخابات للهيئات المحلية في فلسطين جرت في مارس/آذار 2022، فإن الأوضاع الأمنية والسياسية في الضفة الغربية، والحرب على قطاع غزة وتبعاتها، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية المتردية، انعكست بشكل كبير على تفاعل الشارع الفلسطيني مع الانتخابات المرتقبة، وحدت من الاهتمام بها والتعويل عليها.
ويظهر هذا الانعكاس في تراجع الدعاية الانتخابية في الشوارع، واقتصارها على التعريف بالقوائم والمرشحين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة في المدن التي تشهد وجودا شبه دائم لقوات الاحتلال واقتحامات شبه يومية.
ورأى المحلل السياسي سليمان بشارات أن إسرائيل تسير وفق نهج يقوم على إشعار الفلسطيني بأنه تحت الاحتلال، وأن حياته تدار بما يخدم أهدافها، حيث إن تدخل الاحتلال في الشأن الفلسطيني بات واضحا منذ انتخابات عام 2005، بما في ذلك الانتخابات المحلية والتشريعية، سواء من حيث انعقادها أو تعطيلها، أو عبر الملاحقة والاعتقال والتهديد للمرشحين والمنتخبين.
وقال بشارات إن إسرائيل تحاول تغييب البعد المؤسسي في الحالة الفلسطينية، وإفراغه من مقومات النجاح والكفاءة، بحيث لا يكون مرتبطا بأي امتداد سياسي أو وطني، مما يعزز حالة الضعف ويجعل المؤسسات غير قادرة على اتخاذ قرارات منسجمة مع احتياجات التطوير المستدام، ويكرس الاعتماد على الأفراد والعائلات بدلا من المؤسسة.
واشار إلى سعي الاحتلال الحثيث لخلق نموذج جديد في إدارة المؤسسات، خاصة البلديات، عبر إبعادها عن المرجعيات السياسية والفصائلية، حتى تلك التي كانت مقبولة سابقا، بما يعكس السيطرة والهيمنة على الشارع الفلسطيني، من خلال تذويب دور التنظيمات وترسيخ دور العائلات.
