وسط إجراءات أمنية مشددة، انطلقت في دمشق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، حيث تجمهر العشرات من أهالي الضحايا أمام قاعة المحكمة، مطالبين بالقصاص العادل لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا، وكشفت الجلسة عن شهادات مؤلمة تروي فظائع الماضي.
شابة من درعا، لم تتمالك نفسها من الفرح وهي تردد من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور»، تعبيرا عن مشاعر الغضب والأمل بتحقيق العدالة، وأضافت الشابة، التي كانت في الخامسة عشرة من عمرها عند اندلاع الاحتجاجات في درعا عام 2011، أنها تنتمي لعائلة الشيخ أحمد الصياصنة، وأن جميع أفراد عائلتها تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، مبينة أن محاكمة نجيب تمثل انتصارا لهم ولجميع ضحايا النظام.
وانتشر عناصر حفظ النظام بكثافة في أروقة القصر العدلي، بينما غصت قاعة المحكمة بكاميرات الإعلام، الأمر الذي أثار استياء أهالي الضحايا الذين اضطروا للانتظار خارج القاعة، معربين عن استيائهم من إعطاء الأولوية للإعلاميين على حساب أصحاب الحق.
شهادات حية من أطفال الحرية
أكثر من 50 شخصا قدموا من درعا لحضور المحاكمة، بينهم ستة شبان ممن اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير 2011، فيما عرف بقضية «أطفال الحرية»، بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس، وأكدت علا أبا زيد، التي حضرت مع شقيقها عبد الرحمن، أن أكثر من 20 طفلا اعتقلوا بتهمة الكتابة على الجدران، وأن شقيقها سيواجه نجيب بالأدلة على اعتقاله وتعذيبه.
وتقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، موضحة أن كل من دخل سجون النظام تعرض لشتى صنوف التعذيب، وأن بعض الأطفال استشهدوا لاحقا، بينما هاجر البعض الآخر، وبينت أنها تطالب السلطات السورية بالاهتمام بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات بحق السوريين الجزاء العادل.
إياد خليل، الذي كان ينتظر الإدلاء بشهادته، كشف أنه أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، وكان يبلغ من العمر أربعة عشر عاما، وأشار إلى إعاقة جسدية في ساقه نتيجة التعذيب، مؤكدا أنهم أذاقوه كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأنه تلقى أموالا من جهات خارجية للكتابة على جدار المدرسة، لكنه نفى ذلك، مبينا أنه فعل ذلك بسبب الظلم.
غضب ورد اعتبار
لا يبدو أياد فرحا بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار، وقال إنه بادر فور سماعه نبأ اعتقال عاطف نجيب إلى رفع دعوى قضائية عليه، معربا عن أمله بصدور حكم الإعدام بحقه، وبين أن محاكمته تمثل خطوة هامة نحو تحقيق العدالة.
محام من المراجعين للقصر العدلي، تابع وقائع المحاكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، معربا عن استغرابه من مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي، وأضاف أن نجيب يجب أن يبكي فرحا لأنه يساق إلى المحكمة باحترام، بينما طالب أحد الحضور بعقوبة أشد من الإعدام.
وتمنى عبد الحكيم السرحان، أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وأكد أنه كان رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وأن كل ما ارتكب من انتهاكات كان بأوامر منه، مشددا على ضرورة محاسبته على كل الجرائم التي ارتكبها.
مطالبات بالقصاص العادل
أحد الحاضرين قال إن نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011، قتل فيها اثنا عشر شخصا وأصيب اثنان وثلاثون آخرون، مطالبا بمحاسبته عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا، مشددا على ضرورة تحقيق العدالة لجميع الضحايا.
أما باسل مريج، الذي أصيب في مجزرة النفق عام 2013، فأكد أنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد، وأن الفريق يتألف من أكثر من 46 شخصا من درعا، رفع باسل كفا مبتورة الأصابع نتيجة إصابته، قائلا إن عائلته قتلت في مجزرة النفق، وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.
وفي الختام، رأى ياسر عطا عبد الغني، المنحدر من الجولان المحتل، أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع، فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجرين، متمنيا القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.
