تخيم حالة من القلق والتوتر على مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية بعدما بدأت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الاونروا بتنفيذ سلسلة من الاجراءات التقشفية القاسية التي مست بشكل مباشر قطاعي التعليم والصحة. واظهرت هذه التحركات تراجعا ملموسا في الخدمات التي تقدمها الوكالة لنحو 80 بالمئة من موظفيها والمستفيدين من خدماتها في المنطقة. واكدت التقارير الميدانية ان خفض الدوام المدرسي بنسبة 20 بالمئة يمثل ذروة هذه الاجراءات التي تهدف الى مواءمة النفقات مع العجز المالي الحاد الذي تعاني منه المؤسسة الدولية.
وكشفت الفلسطينية شذى فتحي المقيمة في مخيم بلاطة عن حجم المعاناة التي تعيشها العائلات جراء هذا القرار الذي قلص ايام الدراسة الى اربعة ايام فقط في الاسبوع. واوضحت ان هذا التشتت في المسار التعليمي لاطفالها ينذر بتراجع حاد في تحصيلهم العلمي في ظل غياب الرقابة الكافية. وبينت ان الاعباء لم تتوقف عند التعليم بل امتدت لتشمل القطاع الصحي الذي يعاني من نقص حاد في الادوية والكوادر الطبية مما اضطر اللاجئين الى تحمل تكاليف اضافية باهظة في الصيدليات الخاصة.
واضافت المصادر ان الوكالة تواجه تحديا وجوديا يتجاوز الازمة المالية ليصل الى ملاحقات قانونية وسياسية تهدف الى تقييد عملها بشكل كامل في الاراضي الفلسطينية. وشدد المراقبون على ان هذه الضغوط تاتي في وقت تشتد فيه الحاجة الى خدمات الوكالة خاصة في مخيمات شمالي الضفة التي دمرت بنيتها التحتية بفعل العمليات العسكرية المستمرة.
تراجع الخدمات بين الضرورة والواقع
وبين المسار التاريخي للوكالة فجوة كبيرة بين الدور التأسيسي الذي كان يغطي الاحتياجات الاساسية وبين الواقع الحالي الذي يقتصر على تقديم مساعدات محدودة لحالات الفقر المدقع. واكدت الوكالة ان هذه التحولات فرضتها ظروف قاهرة تتعلق بوقف التمويل الدولي وتحديدا من جانب الولايات المتحدة التي كانت تعد المانح الاكبر قبل توقف دعمها بشكل نهائي.
واشار المفوض العام فيليب لازاريني الى ان العجز المالي الذي يتجاوز 200 مليون دولار فرض حزمة اجراءات طارئة في كافة الاقاليم الخمسة التي تعمل فيها الوكالة. واوضح ان الهدف من هذه القرارات هو تجنب الانهيار الكامل للخدمات وضمان استمرار الحد الادنى من الرعاية لنحو 6 ملايين لاجئ فلسطيني في مختلف مناطق تواجدهم.
واضاف المسؤولون ان التقليصات شملت ايضا تجميد مرافق صحية حيوية وخفض رواتب الموظفين بنسبة 20 بالمئة كحل اخير لتفادي تسريح العمالة بشكل جماعي. واكدت الوكالة ان هذه الخطوات رغم قسوتها الا انها تعد الخيار المتاح حاليا للحفاظ على استمرارية العمل في ظل غياب الحلول المالية المستدامة.
موقف النقابات والمخاوف السياسية
وكشف رئيس اتحاد العاملين في الاونروا عبد الكريم حج محمد عن رفض النقابات لهذه الاجراءات التي وصفها بانها سياسية وليست مالية بالدرجة الاولى. واشار الى ان الضغط المالي يستخدم كاداة لانتزاع حقوق الموظفين الذين هم انفسهم جزء من مجتمع اللاجئين. وبين ان الاتحادات النقابية اعلنت حالة نزاع عمل مفتوح احتجاجا على انفراد الادارة باتخاذ قرارات تمس حياة الالاف دون تشاور مسبق.
واكد محمد عليان من دائرة شؤون اللاجئين ان هذه الاجراءات تاتي في سياق مخطط استراتيجي لتقويض عمل الوكالة ومحاولة محو قضية اللاجئين وحق العودة. واوضح ان السلطة الفلسطينية رغم محدودية امكانياتها تحاول تفعيل تحركات دبلوماسية مع الدول المانحة للضغط من اجل الوفاء بالالتزامات المالية تجاه الوكالة.
واضاف ان الوضع في مخيمات الضفة يزداد سوءا مع استمرار عمليات الهدم التي طالت مئات المنازل وشلت شبكات المياه والكهرباء في مناطق مثل جنين وطولكرم. واختتمت الجهات المعنية بالاشارة الى ان نحو 913 الف لاجئ في الضفة يواجهون اليوم تهديدا حقيقيا بفقدان شبكة الامان الوحيدة التي كانت تحميهم من تداعيات النزوح والدمار الممنهج.
