يواجه المعتقل المقدسي السابق وليد ايوب بركات فصلا جديدا من المعاناة القاسية بعد تحرره من زنازين النظام السوري التي قبع فيها لاكثر من اربعة عقود، حيث وجد نفسه اليوم محاصرا بواقع مرير يفتقر فيه الى ابسط مقومات الحياة بسبب غياب الوثائق الثبوتية التي تمنحه حق الوجود القانوني كبقية البشر. كشفت رحلة بركات عن وجه اخر من الظلم الذي يلاحق الضحايا حتى بعد خروجهم من المعتقلات، اذ تحول من سجين خلف القضبان الى سجين داخل منزله في الاردن عاجزا عن الحصول على علاج طبي او ممارسة ابسط حقوقه المدنية.
واضاف بركات في حديثه انه يعيش ما يشبه الموت المدني، موضحا ان اسمه سقط من السجلات الرسمية نتيجة اعتقاله الطويل الذي سبق صدور الارقام الوطنية الاردنية، وهو ما يجعله يفتقر الى جواز سفر او رقم وطني يثبت هويته. وشدد على ان كرامة الانسان تكمن في هويته، مناشدا الجهات المعنية بضرورة منحه الحق في العيش كإنسان له اسم وهوية، وحتى الحق في الحصول على شهادة وفاة تحفظ كرامته حين يحين اجله.
وبين ان وضعه الصحي المتدهور يفاقم من مأساته، مؤكدا ان حاجته الملحة لاجراء عمليات جراحية عاجلة تصطدم بجدار غياب الاوراق الثبوتية التي تمنعه من التسجيل في المستشفيات او الحصول على الرعاية الطبية اللازمة، فضلا عن عجزه عن استئجار مسكن باسمه او حتى قضاء حاجاته اليومية البسيطة.
جحيم التعذيب وندوب الذاكرة
واظهر بركات تفاصيل مروعة عن سنوات الرعب التي قضاها في معتقلات النظام السوري، موضحا انه فقد عينه اليسرى وتحطم فكاه وفقد جميع اسنانه نتيجة التعذيب الممنهج الذي تعرض له، اضافة الى اصابات جسدية دائمة ستظل تذكره بتلك الحقبة المظلمة. واكد ان معتقلات مثل فرع الخطيب كانت تمثل ذروة القسوة، حيث تعرض لعمليات تعذيب وحشية شملت سلب جلد ظهره بالكامل، مشيرا الى ان تلك الندوب الجسدية لا تزال ترافقه مع كوابيس ليلية تلاحقه رغم مرور اشهر طويلة على خروجه.
واشار الى ان اكثر لحظات حياته ايلاما كانت لحظة العودة الى عائلته بعد عقود من الغياب القسري، حيث تفاجأ بان ابنته الرضيعة التي تركها بعمر الشهرين اصبحت اليوم اما ولديها ابناء شباب، وهو ما يجسد حجم الفجوة والضياع الذي خلفته سنوات الاعتقال الطويلة. واوضح ان اهله ظلوا يبحثون عنه لاكثر من عقدين دون ان يعرفوا مصيره، لتكون امنيته الوحيدة في تلك الفترة هي فقط اخبارهم بانه لا يزال على قيد الحياة.
وختم بركات حديثه بالتاكيد على ان الظلم الذي يعيشه حاليا في الخارج لا يقل وطأة عن قسوة السجن، حيث يظل حبيس جدران منزله خوفا من المساءلة القانونية، محذرا من ان استمرار غياب الهوية يعني استمرار معاناته في الوصول الى ابسط حقوقه الانسانية كالسفر او العلاج او ممارسة الحياة الطبيعية.
