تتفاقم الازمات الصحية في قطاع غزة لتلقي بظلالها القاتمة على حياة المئات من المصابين بمرض الثلاسيميا الذين يواجهون ظروفا انسانية بالغة التعقيد. وتجد صديقة ابو جراد نفسها حبيسة كرسيها المتحرك داخل مجمع الشفاء الطبي بانتظار جرعات دم قد لا تتوفر في الموعد المحدد نتيجة الانهيار الحاد في المنظومة الطبية. واظهرت المعطيات الميدانية ان المريض لم يعد يعاني من اضطراب وراثي مزمن فحسب بل بات يصارع من اجل الحصول على ابسط مقومات البقاء في ظل انعدام الادوية والفحوصات المخبرية الضرورية.
واضافت صديقة ان رحلة العلاج تحولت الى كابوس يومي حيث تقضي ساعات طويلة من الانتظار المرهق دون توفر اماكن مريحة او رعاية طبية متكاملة. وشددت على ان غياب الاسرة الشاغرة يفاقم من الامها الجسدية والنفسية في وقت تتراجع فيه الخدمات الاساسية بشكل ينذر بمخاطر جسيمة على حياة المرضى. وبينت ان الكثير من المصابين باتوا عاجزين عن توفير تكاليف التنقل او شراء الفحوصات من المراكز الخاصة بعد تعطلها داخل المستشفيات الحكومية.
واقع الثلاسيميا والمضاعفات القاتلة
ويعد الثلاسيميا اضطرابا وراثيا يستوجب نقل الدم بانتظام للحفاظ على مستوى الهيموغلوبين وتجنب التداعيات الخطيرة. واكد اطباء ان نقل الدم المتكرر يفرض على المريض تناول ادوية طرد الحديد بشكل يومي لمنع تراكمه في الجسم وتلف الاعضاء الحيوية كالقلب والكبد. واوضح المتخصصون ان انقطاع هذه البروتوكولات العلاجية يؤدي حتما الى تشوهات في العظام والمفاصل وضعف حاد في المناعة مما يضع حياة المريض في مهب الريح.
واشار محمد ياسين وهو مريض ثلاسيميا الى ان الوضع الراهن يوصف بالكارثي بكل المقاييس نظرا لندرة المواد الطبية اللازمة للبقاء. وكشف ان المريض قد يضطر للانتظار لاشهر للحصول على وحدة دم واحدة مما يؤدي الى انخفاض مستويات الهيموغلوبين الى ارقام حرجة تهدد الحياة بشكل مباشر. واضاف ان سوء التغذية الذي يضرب السكان زاد من هشاشة اجسام المرضى واضعف قدرتهم على مقاومة المضاعفات الصحية المزمنة.
مصير مجهول تحت وطاة الحصار
وبحسب بيانات جمعية اصدقاء مرضى الثلاسيميا فقد تقلص عدد المرضى الى ما دون 237 شخصا بعد وفاة العشرات نتيجة تدهور الاوضاع العامة. واكد ابراهيم عبد الله منسق الجمعية ان فقدان ادوية طرد الحديد وفلاتر الدم تسبب في انهيار الحالة الصحية لغالبية المرضى بشكل متسارع. وشدد على ان طلبات التحويل للعلاج في الخارج تصطدم برفض متكرر بحجة توفر العلاج محليا وهو ما ينافي الواقع المرير الذي يعيشه المرضى يوميا.
واوضح الدكتور محمد ابو ندى مدير مركز غزة للسرطان ان تراكم الحديد داخل الجسم بسبب غياب الادوية يعد السبب الرئيسي للفشل القلبي وتلف الكبد لدى هذه الفئة. واضاف ان الطواقم الطبية تبذل اقصى جهودها الممكنة لتوفير وحدات الدم رغم شح الامكانيات وضعف الجودة في بعض الحالات. وكشف ان الاولوية القصوى الان تتمثل في تامين الادوية المنقذة للحياة او فتح ممرات للسفر لزراعة النخاع العظمي لبعض الحالات التي تستدعي تدخلا طبيا عاجلا.
يوم عالمي يجسد الالم
ويحل اليوم العالمي للتضامن مع مرضى الثلاسيميا هذا العام في ظل ظروف استثنائية تعزز من معاناة هؤلاء المرضى. واضافت التقارير ان هذا اليوم الذي يهدف لرفع الوعي العالمي تحول في غزة الى تذكير قاس بالحقوق المفقودة في الحصول على رعاية صحية آمنة. واكد المرضى في رسالة استغاثة ان مطالبهم لا تتعدى توفير ادوية منتظمة ووحدات دم كافية لضمان حقهم في الحياة والاستمرار.
