جاد جادالله
مع اقتراب الاستحقاق النيابي المتعلق بانتخاب رئيس مجلس النواب الأردني، تعود إلى الواجهة تساؤلات حول طبيعة التوازنات السياسية والنيابية التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، ومدى قدرة الأحزاب على تحويل حضورها تحت القبة إلى دور حقيقي في إدارة العمل البرلماني وصناعة القرار.
وفي قلب هذه التساؤلات يبرز حزب الميثاق الوطني، بوصفه أحد الأطراف الحاضرة في المشهد النيابي، وسط سؤال سياسي يستحق النقاش: هل تتقاطع حسابات المرحلة مع وصول شخصية من الحزب إلى رئاسة المجلس، أم أن التوازنات النيابية تفتح المجال أمام خيارات وشخصيات أخرى؟
من الطبيعي أن تحضر في المشهد السياسي اعتبارات متعددة، تتصل بالاستقرار المؤسسي، والتوازن بين الكتل النيابية، وطبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، إلى جانب متطلبات المرحلة المقبلة وما تفرضه من تحديات سياسية واقتصادية وتشريعية.
غير أن وجود هذه الاعتبارات لا يعني بالضرورة وجود قرار مسبق بشأن شخصية محددة، حيث يبقى انتخاب رئيس مجلس النواب استحقاقا دستوريا يقرره النواب من خلال التصويت، الأمر الذي يضع الكتل والأحزاب أمام مسؤولية تقديم خياراتها وإقناع أعضاء المجلس بقدرتها على إدارة المؤسسة التشريعية بكفاءة واستقلالية.
وفي المقابل، يثير الحديث عن تفاهمات بين أربع كتل نيابية تضم، وفق تقارير منشورة، نحو مئة نائب من أصل 138، تساؤلات بشأن طبيعة هذه التفاهمات ومدى قدرتها على الصمود عند الوصول إلى صندوق الاقتراع.
فالتوافق على شخصية لرئاسة المجلس قد يشكل خطوة مهمة نحو تنظيم العمل النيابي، لكنه لا يكفي وحده للحكم على جدية التحالفات، ما لم يستند إلى رؤية واضحة تتعلق بإدارة الجلسات، وتطوير الأداء التشريعي والرقابي، وتعزيز دور اللجان النيابية، وتنظيم العلاقة بين الكتل المختلفة.
كما أن حجم التفاهمات المعلنة لا يعني بالضرورة ضمان نتيجة التصويت، إذ تبقى مواقف النواب الفردية وطبيعة التفاهمات النهائية عوامل مؤثرة في تحديد هوية الرئيس المقبل.
يشكل هذا الاستحقاق فرصة للأحزاب والكتل النيابية لإثبات قدرتها على الانتقال من مرحلة الحضور العددي إلى مرحلة التأثير المؤسسي، خصوصا أن نجاح التجربة الحزبية لا يقاس بعدد المقاعد وحده، بل بقدرة الأحزاب على بناء التحالفات وتقديم البرامج وتحمل مسؤولية قراراتها أمام الرأي العام.
ومن هنا، فإن وصول شخصية من حزب الميثاق الوطني أو من أي حزب أو كتلة أخرى إلى رئاسة المجلس لن يكون بحد ذاته المؤشر الوحيد على تقدم العمل الحزبي، ما لم ينعكس ذلك على أداء المجلس وقدرته على ممارسة أدواره الدستورية.
فالرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على اسم الرئيس فقط، وإنما على طبيعة الإدارة البرلمانية التي ستقود المرحلة المقبلة، ومدى قدرتها على تعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسة التشريعية.
في نهاية المطاف، قد تحمل الأيام المقبلة إجابات عن هوية رئيس مجلس النواب، لكنها ستفتح في الوقت ذاته أسئلة أوسع بشأن مستقبل التحالفات الحزبية والنيابية، وحدود قدرتها على إنتاج قيادة برلمانية تستند إلى برنامج عمل واضح.
أما السؤال الأهم، فلا يتوقف عند ما إذا كان حزب الميثاق الوطني هو الأقرب إلى رئاسة المجلس، بل يمتد إلى ما إذا كانت الكتل النيابية قادرة على تحويل توافقاتها إلى مشروع مؤسسي يتجاوز توزيع المواقع والمناصب.
