في تحليل جديد صادر اليوم، كشف المركز الفلسطيني للدراسات السياسية عن ورقة تحليلية بعنوان "غزة بعد الحرب: مسارات إدارة الأمن في المرحلة الانتقالية"، مسلطا الضوء على التعقيدات والتحديات التي تواجه قطاع غزة في الفترة اللاحقة للعمليات العسكرية، مع التركيز بشكل خاص على الجانب الأمني، الذي يعتبر عنصرا حيويا للاستقرار المجتمعي والسياسي.
وتستعرض الورقة الواقع الحالي للمرحلة الانتقالية في غزة، التي تشهد دمارا واسعا، وغيابا للمؤسسات التشريعية الفعالة، فضلا عن وجود العديد من الجهات الأمنية الفاعلة، واستمرار أشكال مختلفة من السيطرة الإسرائيلية، إضافة إلى الضغوط الإقليمية والدولية المتعلقة بإعادة الإعمار والترتيبات الأمنية.
وتقدم الدراسة تحليلا معمقا للسياق الداخلي والإقليمي والدولي، وتناقش التحديات الهيكلية التي تعيق تنظيم المشهد الأمني، كما تطرح رؤية واقعية لإدارة الأمن تركز على حماية المجتمع، ومنع الانفلات، وملء الفراغ المؤسسي، بعيدا عن الحلول الجاهزة التي تفترض وجود دولة مكتملة الأركان.
رؤية المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
واكد المركز أن الهدف من هذه الورقة هو المساهمة في الحوار الوطني الفلسطيني حول مستقبل غزة بعد الحرب، وتوفير مرجع تحليلي للباحثين والكتاب وصناع القرار، مما يساعد على تطوير خيارات عملية تأخذ في الاعتبار خصوصية الوضع الفلسطيني والتحديات السياسية والأمنية.
وياتي هذا الإصدار ضمن الدور البحثي الذي يضطلع به المركز الفلسطيني للدراسات السياسية في متابعة التطورات السياسية والأمنية الفلسطينية، وتقديم دراسات متعمقة تساهم في دعم النقاش العام وصنع السياسات على أسس معرفية قوية.
وتستعرض الورقة المرحلة الثانية بعد الحرب في غزة، حيث ينتقل التركيز من إدارة الصراع العسكري إلى إعادة تنظيم المشهد الأمني في بيئة هشة ومعقدة، وتحلل الورقة السياق الداخلي، والانقسامات السياسية، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتأثير الاحتلال والجهات الفاعلة الإقليمية والدولية.
مقترحات لحماية المجتمع في غزة
وتقدم الورقة مقاربة واقعية للأمن ترتكز على حماية المجتمع، وضبط الأجهزة، وإدارة السلاح تدريجيا، وتركز التوصيات على خطوات قابلة للتنفيذ تشمل تعزيز الأمن المجتمعي، ودمج المجتمع المدني، وتفعيل الرقابة الداخلية، وربط الأمن بالواقع الاقتصادي والاجتماعي.
وتقدم الورقة إطارا عمليا وواقعيا يمكن البناء عليه لتحقيق استقرار نسبي طويل الأمد، مع الحفاظ على الاستقلالية الوطنية والشرعية الداخلية.
وبين المركز أن قطاع غزة يمثل نموذجا فريدا لتداخل الأبعاد الأمنية والسياسية والاجتماعية، وبعد انتهاء الحرب الأخيرة، دخل القطاع ما يعرف بـ "المرحلة الثانية"، وهي مرحلة انتقالية تتجاوز وقف إطلاق النار إلى إعادة ترتيب المشهد الأمني وإعادة ترتيب موازين السيطرة والإدارة.
تحديات المرحلة الانتقالية في غزة
واضاف المركز ان المرحلة الثانية تتسم بطابع هش ومعقد، إذ تتفاعل فيها عوامل متعددة: ضعف الإطار المؤسسي، الانقسام السياسي، الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتأثير الاحتلال وأطراف إقليمية ودولية على الأرض، وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأمني مركزيا: من يدير الأمن؟ وكيف تحفظ الشرعية والقدرة على الحماية دون إطار دولة مكتمل؟
وتهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل واقعي وعميق لإعادة ترتيب المشهد الأمني في غزة بعد الحرب، من خلال استعراض السياق الداخلي والإقليمي والدولي، والفاعلين الرئيسيين وقوة تأثيرهم، والتحديات القائمة، والعقيدة الأمنية الممكنة، وتسعى الدراسة إلى تقديم توصيات قابلة للتنفيذ توازن بين الواقعية والحدود المعقولة للقدرة المحلية، مع الحفاظ على الاستقلالية الوطنية، وتقليل المخاطر الأمنية والاجتماعية، وتمهيد الطريق نحو استقرار نسبي طويل الأمد.
واوضح المركز ان "إعادة ترتيب المشهد الأمني" يشير إلى عملية شاملة لإعادة تصميم المنظومة الأمنية على المستويات المؤسسية والقانونية والعملياتية، مع مراعاة القيود الواقعية في غزة بعد الحرب، بما يشمل إعادة تعريف العقيدة الأمنية والانتقال من نموذج أمن فصائلي إلى نموذج أمن مجتمعي.
إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية
واكد المركز على أهمية إعادة هيكلة الأجهزة وضبط الاختصاصات وسلاسل القيادة والتبعية السياسية بشكل تدريجي وواقعي، وضبط العلاقة بين الأمن والسياسة واعتماد آليات رقابة مدنية ومهنية مرحلية، لا تفترض وجود مؤسسات سياسية أو تشريعية فاعلة، بل تستند إلى بدائل مؤقتة مثل لجان توافقية وأطر مساءلة داخلية ودور محدود للهيئات القضائية القائمة، إلى حين إعادة بناء النظام التمثيلي.
وبين المركز ان هذه العملية تكتسب خصوصيتها في غزة من كونها تتم في سياق ما بعد حرب إبادة، وفي ظل استمرار الاحتلال وأدواته المختلفة للسيطرة والتحكم، مع غياب مؤسسات دولة مكتملة، ما يجعل أي ترتيبات أمنية تدريجية ومرنة ومرتكزة على واقع القوة الفعلي والقيود البنيوية.
واضاف المركز ان "المرحلة الثانية" بعد الحرب في قطاع غزة في إطارها الواقعي تشير إلى الفترة التي تلي توقف العمليات العسكرية واسعة النطاق، دون أن تعني نهاية الحرب بشكل كلي، وهي مرحلة لا تمثل انتقالًا إلى الهدنة بالمعنى الكامل، بل انتقالًا من منطق إدارة المواجهة العسكرية المباشرة إلى منطق إدارة استقرار هش ومؤقت، في بيئة ما تزال خاضعة لضغوط أمنية وسياسية واقتصادية كثيفة.
مؤشرات المرحلة الثانية في غزة
واشار المركز ان عمليا، لا تقاس هذه المرحلة بغياب القتال فقط، بل بظهور مجموعة من المؤشرات المتزامنة، أبرزها ترتيبات وقف إطلاق النار وآليات ضبطه، وإدارة تدفق المساعدات الإنسانية، وإطلاق مسارات أولية لإعادة الإعمار، وإعادة تنظيم الإدارة المدنية والأمنية، ومحاولة ملء الفراغ المؤسسي ومنع الانفلات.
وتكمن خصوصية المرحلة الثانية في غزة في كونها مرحلة انتقالية بلا أفق سياسي واضح، تدار تحت ضغط الوقت والتدخلات الخارجية والتوقعات الشعبية المرتفعة، وهي مرحلة تحمل في آن واحد فرصا لإعادة ترتيب الأولويات وبناء حد أدنى من الاستقرار، ومخاطر حقيقية تتمثل في إعادة إنتاج أنماط الضبط الأمني القسري أو فتح المجال أمام فاعلين غير منضبطين، إذا ما أدرت بمنطق أمني ضيق أو إقصائي يتجاهل البعد المجتمعي والسيادي.
وشدد المركز على أن السياق الاستراتيجي لغزة بعد الحرب يمثل الإطار الحاكم لأي محاولة لإعادة ترتيب المشهد الأمني، إذ لا يمكن فهم خيارات الأمن أو تقييم جدواها بمعزل عن البيئة الداخلية المنهكة والتفاعلات الإقليمية والدولية الضاغطة وأزمة النظام السياسي الفلسطيني.
البيئة الداخلية في غزة
واشار المركز ان البيئة الداخلية تتمثل في مجتمع منهك وأمن مثقل بالمهام، ودمار واسع النطاق في البنية التحتية والمؤسسات، وإنهاك المنظومة الأمنية، وضغوط اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة، وتآكل الثقة بين المواطن وبعض الأطر الرسمية.
وبين المركز ان البيئة الإقليمية والدولية تتمثل في سعي أطراف إقليمية للتموضع في ملف إعادة الإعمار، وضغوط دولية متصاعدة لربط الإعمار بترتيبات أمنية محددة، وتصاعد الحديث عن أطر رقابية أو بعثات دعم أمنية، في حين يتمثل النظام السياسي الفلسطيني في استمرار الانقسام السياسي والجغرافي، وأزمة شرعية وتمثيل، وغياب إطار وطني جامع لإدارة المرحلة الانتقالية.
واوضح المركز ان هذا السياق يظهر أن إعادة ترتيب المشهد الأمني في غزة ليست مسألة اختيار نموذج مثالي، بل عملية إدارة قيود معقدة، تتطلب موازنة دقيقة بين منع الانهيار الداخلي وتفادي الارتهان الخارجي والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الوطني.
الفاعلون في المشهد الأمني بغزة
واكد المركز ان المشهد الأمني في قطاع غزة يتسم بتعدد الفاعلين، غير أن هذا التعدد لا يعكس توزيعا متوازنا للأدوار أو الصلاحيات، بل يكشف عن اختلال في موازين القوة والتأثير، ناتج عن غياب الإطار السيادي والتشريعي واستمرار حالة الصراع المفتوح وهيمنة العامل الخارجي على محددات الأمن والاستقرار.
واشار المركز ان الفاعلين المسيطرين فعليا على الأرض هم الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، والفاعلون الغائبون ميدانيا والحاضرون سياسيا هم السلطة الوطنية الفلسطينية، والفاعل المهيمن من خارج المشهد المباشر هو الاحتلال الإسرائيلي، والفاعلون الإقليميون هم بعض الأطراف العربية، والوسطاء والضامنون هم الذين يسعون إلى إنتاج ترتيبات أمنية مؤقتة، والمجتمع الدولي وممولو إعادة الإعمار.
وكشف المركز ان هذا التعدد غير المتكافئ للفاعلين يوضح أن المشهد الأمني في قطاع غزة لا يدار عبر منظومة مؤسسية متكاملة، بل عبر تفاعل قسري بين فاعلين يمتلكون أدوات قوة متفاوتة، في ظل غياب الإطار التشريعي والسيادي وهيمنة العامل الخارجي، وعليه، فإن أي مقاربة لإعادة بناء الأمن في غزة لا يمكن أن تنطلق من نماذج نظرية تقليدية، بل من قراءة واقعية لطبيعة الصراع وحدود الفعل المحلي وشروط التأثير الإقليمي والدولي.
تحديات إعادة تنظيم الأمن في غزة
وبين المركز ان أي محاولة لإعادة ترتيب المنظومة الأمنية في قطاع غزة تواجه جملة من التحديات العميقة، التي لا ترتبط فقط بآثار الحرب الأخيرة، بل تتصل بطبيعة البنية السياسية والأمنية القائمة وسياق الصراع الممتد وغياب الإطار السيادي الجامع، وأبرز هذه التحديات هي تعدد مراكز القوة وإدارة السلاح خارج إطار مؤسسي جامع، وأزمة الثقة بين المجتمع والمؤسسة الأمنية، والقيود الاقتصادية والمالية، وخطر بروز فاعلين مسلحين غير منضبطين، والتداخل بين متطلبات الأمن ومتطلبات إعادة الإعمار.
واكد المركز ان هذه التحديات تكشف أن إعادة تنظيم الأمن في قطاع غزة ليست مسألة إعادة تنظيم أجهزة أو تعديل هياكل، بل عملية معقدة تتطلب إعادة تعريف وظيفة الأمن نفسها: من أداة ضبط قسري في بيئة محاصرة، إلى وظيفة حماية مجتمعية في سياق صراع مفتوح، ومن دون مقاربة واقعية تراعي هذه التحديات، ستظل أي ترتيبات أمنية عرضة للهشاشة والانهيار.
واضاف المركز ان العقيدة الأمنية المقترحة تستند إلى مبدأ الانتقال التدريجي من منطق إدارة الحرب إلى منطق إدارة الاستقرار، مع مراعاة القيود البنيوية والواقع السياسي والاجتماعي في قطاع غزة بعد الحرب، فهي لا تفترض توفر شروط دولة مكتملة، بل تنطلق من واقع غياب المؤسسات التشريعية وتعطل آليات الرقابة التقليدية وتعدد مراكز القوة وضغوط المجتمع الدولي والإقليمي.
المبادئ التطبيقية للعقيدة الأمنية
واوضح المركز ان المبادئ التطبيقية للعقيدة الأمنية تتمثل في أولوية حماية المواطن والمجتمع، واعتماد مدونات سلوك مهنية ملزمة داخل الأجهزة، وتفعيل رقابة داخلية متعددة المستويات، وإشراك شخصيات مهنية وقانونية مستقلة في أطر رقابية مؤقتة، والفصل الوظيفي بين العمل الأمني وإدارة الصراع السياسي.
واكد المركز ان المرحلة الثانية بعد الحرب في قطاع غزة تشكل لحظة مفصلية لإعادة ترتيب المشهد الأمني، في ظل واقع غياب مؤسسات الدولة المكتملة وتعدد مراكز القوة واستمرار الاحتلال والانقسام السياسي الداخلي.
واشار المركز ان الأمن في غزة ليس مجرد ضبط للسلاح أو تنظيم أجهزة، بل عملية شاملة تربط بين حماية المجتمع وضبط الأجهزة الأمنية والحفاظ على الشرعية والسيادة وتخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
مقترحات لتفعيل الأمن في غزة
وبين المركز ان المقاربة المقترحة تقوم على تبني عقيدة أمنية تدريجية، تعطي الأولوية لحماية المجتمع، وتوظف بدائل مؤقتة للرقابة والمساءلة، وإدارة الأجهزة الأمنية ضمن مراحل واضحة ومسار تدريجي ومتدرج لإعادة تنظيم الأجهزة الأمنية، ونجاح إعادة ترتيب الأمن في غزة يعتمد على قدرة الفاعلين المحليين على التكيف مع الواقع ودمج المجتمع المدني والحفاظ على استقلالية القرار الوطني، مع استثمار الدعم الفني والمالي الخارجي دون المساس بالسيادة.
واوصى المركز بضرورة تعزيز الأمن المجتمعي الواقعي من خلال نشر فرق حماية محلية، وضبط السلاح العشوائي، وحماية المواطنين والمرافق الحيوية بشكل عملي وملموس، وإعادة هيكلة الأجهزة تدريجيا، ودمج الوحدات المتشابهة، وتوحيد سلاسل القيادة، واعتماد مدونات سلوك مهنية ملزمة داخل الأجهزة لتعويض غياب الرقابة التشريعية، وتفعيل الرقابة والمساءلة وإنشاء لجان توافقية مستقلة، والتفتيش الدوري، وتوثيق الانتهاكات، وإبلاغ المجتمع بنتائج التحقيقات، لتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية، ودمج المجتمع المدني والشباب من خلال إشراك الشباب والجمعيات المحلية في حماية المجتمع ومراقبة الأداء الأمني وتنفيذ برامج دعم نفسي واجتماعي للمتضررين من الحرب، وربط الأمن بالواقع الاقتصادي والاجتماعي، وحماية المشاريع الاقتصادية والمرافق العامة، ودعم فرص التشغيل للشباب لتقليل دوافع العنف والاحتقان، واستثمار الدعم الإقليمي والدولي بشكل واع، وقبول الدعم الفني والمالي لإعادة التأهيل، مع الحفاظ على استقلالية القرار الفلسطيني ومنع التدخل السياسي المباشر في إدارة الأمن.
