لا يمكن اعتبار الأكلات التقليدية في المطبخ الجزائري مجرد وصفات للطهي، بل تكشف دراسة مكوناتها وطرق إعدادها عن مسارات تاريخية طويلة تشكلت عبر الزراعة والهجرة وتغير أنماط العيش، فمن الشوربات المعتمدة على الحبوب القديمة إلى أطباق الخبز المسقى بالمرق وصولا إلى الحلويات الحضرية الدقيقة الصنع تظهر هذه الأكلات انعكاسا لتراكمات ثقافية واجتماعية متداخلة، وفي هذا الإطار تبرز شوربة الفريك والشخشوخة والدزيريات ضمن أطباق حافظت على حضورها في الذاكرة الغذائية الجزائرية عبر أزمنة مختلفة.

تحتل شوربة الفريك مكانة خاصة في المطبخ الجزائري لا سيما خلال شهر رمضان، حيث تحضر كطبق أساسي على موائد الإفطار، غير أن حضورها المتكرر يخفي وراءه تاريخا طويلا يتجاوز الطقس الموسمي ويرتبط بتطور الزراعة وأنماط العيش في منطقة البحر الأبيض المتوسط منذ قرون.

يعد الفريك وهو القمح الأخضر المحمص والمجروش من أقدم أشكال استهلاك الحبوب في المجتمعات الزراعية القديمة، فقد لجأت هذه المجتمعات إلى تحميص القمح قبل نضجه الكامل كوسيلة لتقليل خسائر المحصول في فترات الجفاف أو الاضطرابات.

شوربة الفريك: قصة حب جزائرية تتجاوز الزمن

ويشير مؤرخ الغذاء ماكسيم رودنسون في كتابه مباحث في فن الطبخ عند العرب إلى أن هذه التقنية انتشرت في مناطق المشرق ثم انتقلت إلى شمال أفريقيا حيث اندمجت تدريجيا في الأنظمة الغذائية المحلية.

رغم قدم الفريك كمادة غذائية فإن ظهوره في شكل شوربة مطبوخة بالمرق واللحم والطماطم يرتبط بالعهد العثماني في الجزائر بين عامي 1518 و1830.

وتوضح الباحثة كلوديا رودن في كتابها A New Book of Middle Eastern Food أن العثمانيين ساهموا في ترسيخ ثقافة الشوربات الكثيفة المعتمدة على الحبوب والتي كانت تقدم في الثكنات العسكرية والتكايا وموائد الإفطار الجماعية باعتبارها أطعمة مشبعة وسهلة التحضير.

التأثيرات الأندلسية تضفي نكهة مميزة على شوربة الفريك

مع استقرار شوربة الفريك في المطبخ الجزائري خضعت لتعديلات محلية واضحة، فقد أضيفت الطماطم بعد انتشارها في حوض المتوسط خلال القرن السابع عشر إلى جانب الكزبرة الجافة والحمص وأحيانا القرفة.

وتعكس هذه الإضافات التأثير الأندلسي الذي انتقل إلى الجزائر مع موجات الهجرة بعد سقوط الأندلس وامتزج بالموروث العثماني لينتج نكهة خاصة بالبيئة الجزائرية.

ويربط المؤرخ الجزائري أبو القاسم سعد الله في دراساته حول التاريخ الاجتماعي للجزائر خلال الفترة العثمانية بين انتشار الشوربات الساخنة وشهر رمضان حيث كانت تعد خيارا مثاليا لكسر الصيام، فهذه الأطباق تجمع بين القيمة الغذائية وسهولة الهضم كما يمكن إعدادها بكميات كبيرة لتناسب الأسر الممتدة والموائد الجماعية وهو ما عزز حضور شوربة الفريك في المناسبات الدينية.

الشخشوخة: من ثريد المشرق إلى طبق جزائري أصيل

تعكس شوربة الفريك ملامح المطبخ الجزائري لكونها نتاجا لتراكمات تاريخية وتفاعلات ثقافية امتدت عبر قرون طويلة، فهي تقوم على حبوب قديمة تعود جذورها إلى الإرث الأمازيغي والمتوسطي وتحضر وفق أساليب طهي تأثرت بالحضور العثماني مع إضافات في التوابل والمذاق تحمل بصمات أندلسية واضحة، وبهذا لا تظل شوربة الفريك مجرد طبق تراثي متوارث بل تتحول إلى شاهد حي على ذاكرة غذائية قاومت التحولات التاريخية والاجتماعية وحافظت على حضورها على المائدة الجزائرية حتى اليوم.

تبدأ حكاية الشخشوخة باعتبارها امتدادا لطبق عريق عرف في المخطوطات المشرقية والمغاربية باسم الثريد أو الرفيس، وهو أحد الأعمدة الأساسية في ثقافة الطعام العربية خلال العصور الوسطى، فقد دون طهاة تلك الفترة ملاحظات دقيقة حول أسرار هذا الطبق مؤكدين أن أفضل أنواعه تحضر من خبز الرقاق أو الجردق الرقيق بعد أن يغمر بمرق لحم غني ودسم على أن تكون التسقية متوازنة كافية لإشباع الخبز من دون أن تفقده تماسكه أو تحوله إلى عجين وتظهر هذه القاعدة بوضوح في كتاب كنز الفوائد في تنويع الموائد أحد أبرز مؤلفات الطبخ في العصر المملوكي حيث يخصص مؤلفه مساحة لشرح قوام الثريد المثالي وضبط مقدار المرق المستخدم في تحضيره.

الشخشوخة: تحولات وتكيفات في المطبخ المغاربي

مع انتقال هذه الفلسفة إلى بلاد المغرب الأوسط أي الجزائر حاليا لم تستنسخ الوصفة كما هي بل خضعت لعملية تكيف عميقة مع البيئة المحلية فخرجت منها أشكال جديدة تعكس وفرة المحاصيل الزراعية وتنوعها، وفي هذا السياق يبرز جدل غير معلن حول أصول أطباق الخبز المسقى بالمرق إذ تنسب بعض السرديات الحديثة هذا التقليد إلى مطابخ مجاورة غير أن المخطوطات المغاربية العائدة إلى عصر الموحدين توثق بوضوح حضور هذه الأطباق في الحواضر الجزائرية.

تبدأ حكاية الشخشوخة من مطبخ قديم عرف في المخطوطات المشرقية والمغاربية باسم الثريد أو الرفيس، وهو طبق احتل مكانة محورية في ثقافة الطعام العربية خلال العصور الوسطى، فقد سجل طهاة تلك الحقبة ملاحظات دقيقة حول طرق إعداده مؤكدين أن أجود أنواعه تحضر من خبز الرقاق أو الجردق الرقيق بعد أن يسقى بمرق لحم غني ومشبع بالدسم يمنحه الطراوة من دون أن يفقده تماسكه.

وكان الحرص على توازن التسقية شرطا أساسيا في نجاح الطبق إذ شددت المصادر القديمة على أن يكون المرق كافيا لإشباع الخبز من دون أن يحوله إلى كتلة لينة أو مفككة وتظهر هذه القواعد بوضوح في كتاب كنز الفوائد في تنويع الموائد أحد أبرز مؤلفات الطبخ في العصر المملوكي حيث يفصل مؤلفه معايير قوام الثريد المثالي ومقدار المرق اللازم لضبط نكهته وبنيته.

الدزيريات: حلوى الأعيان بنكهة أندلسية

ومع انتقال هذا الإرث الطهوي إلى مدن المغرب الأوسط أخذ الثريد يتلون بملامح محلية فظهرت نسخ اشتهرت بأسمائها ومذاقها من بينها ما عرف في بجاية بشاشية ابن الوضيع، وهو طبق يقوم على سقي الخبز المفتوت بمرق لحم غني تضاف إليه الخضر الموسمية والزبد الطازج في تعبير مبكر عن خصوصية الذوق المحلي الذي مهد لاحقا لتبلور الشخشوخة بصورتها الجزائرية.

لم تقتصر هذه التحولات على مدينة بجاية وحدها إذ تكشف المصادر التراثية عن نموذج آخر عرف باسم الثريدة العوهرانية وقد ورد وصف هذا الطبق في كتاب الطبيخ لمحمد بن الحسن البغدادي أحد أقدم كتب الطبخ العربية في القرن السابع الهجري حيث يشير إلى اشتراط الطهاة استخدام الخبز الأبيض اليابس المعروف بالحواري، كما شدد الكتاب على عدم سكب المرق الساخن أو الدهن على الخبز إلا في لحظة التقديم تفاديا لابتلاله مبكرا وفقدانه قوامه وطعمه.

ويعكس هذا الحرص الدقيق على توقيت إضافة المرق وطريقة التقديم فهما متقدما لفن الطهي إذ لم يكن الخبز مجرد قاعدة للطبق بل عنصرا أساسيا في توازن النكهة وجودة المذاق، وقد انتقل هذا الوعي التقني عبر القرون من وصف الثريد في المخطوطات القديمة إلى الشخشوخة كما تحضر اليوم بوصفها طبقا يجمع بين الصنعة الدقيقة والذاكرة الجماعية.

الدزيريات: حلوى المناسبات في بيوت العاصمة الجزائرية

وفي السياق نفسه شهدت مطابخ المغرب والأندلس قديما تطورا لافتا في صناعة الخبز المخصص لهذه الأطباق، حيث ظهر فن إعداد الخبز الرقيق المعروف باسم المشهدة، وكان يحضر بسكب عجين سائل على صفيحة ساخنة فينضج على هيئة غلالة رقيقة مثقبة، وقد وصفت المشهدة في المصادر التراثية بأنها من أطيب أنواع الرفايس وأخفها على الهضم بفضل دقة عجينها وفرط عركها كما يرد في كتاب الطبيخ في المغرب والأندلس.

تحولت هذه الوصفات عبر القرون من نصوص مدونة في المخطوطات إلى ممارسة يومية حية أضفى عليها كل مجتمع لمساته الخاصة فمنهم من أغرق الرقاق في مرق الطماطم اللامع ومنهم من توجه بالمكسرات والزبدة، لكن الروح الجوهرية بقيت واحدة تستلهم أصلها من تراث قديم مشترك، وفي هذا السياق تبلورت الشخشوخة الجزائرية بوصفها التعبير المحلي الأكثر اكتمالا عن هذا المسار جامعة بين الخبز المفتت والمرق الغني والطقس الجماعي.

تعد حلوى الدزيريات من أبرز الحلويات الحضرية المرتبطة بالجزائر العاصمة وقد ارتبط انتشارها تاريخيا ببيئة بالعهد العثماني، ولم تكن هذه الحلوى مخصصة للاستهلاك اليومي بل حضرت أساسا في الأعراس والمناسبات الكبرى داخل البيوت الثرية ما جعلها مرتبطة بالترف والاحتفاء الاجتماعي.

القريصة: بصمة نسوية في حلوى الدزيريات

تشير دراسات تاريخ المطبخ المغاربي إلى أن الاعتماد على اللوز المطحون وماء الزهر في الحلويات الحضرية يعود إلى التأثير الأندلسي الذي حملته موجات الهجرة إلى الجزائر بعد سقوط الأندلس، ومع استقرار الحكم العثماني تعزز هذا النمط عبر إدخال السكر الأبيض المكرر واللوز المقشر وهي مكونات كانت مكلفة ومحصورة في أوساط الأعيان والطبقة الحاكمة.

تتميز الدزيريات بتقنية تشكيل يدوية تعرف محليا باسم القريصة تقوم على طي حواف عجين رقيق جدا لتشكيل قوالب تشبه الزهور، وتعد هذه التقنية من السمات الجمالية الخاصة بالحلويات العاصمية وقد انتقلت تقليديا داخل العائلات بوصفها مهارة منزلية نسوية لا مجرد عنصر زخرفي، ويتقاطع هذا البعد مع ما تناولته الكاتبة الجزائرية ليلى سيبار في كتابها أنا لا أتكلم لغة أبي الذي دونت فيه تحولات الذاكرة العائلية والنسوية في المجتمع الجزائري حيث تناقش المطبخ والبيت باعتبارهما فضاءين للذاكرة النسوية ونقل المعارف اليومية غير المكتوبة بين النساء.

الدزيريات: حلوى جزائرية بلمسة متوسطية

وتعكس مكونات الدزيريات ارتباطها ببيئة الجزائر العاصمة حيث كان استخدام قشور الليمون مرتبطا ببساتين الفحص المحيطة بالقصبة المعروفة بزراعة الحمضيات، كما يرتبط حضور ماء الزهر بثقافة تقطير الزهور داخل البيوت وهي ممارسة موسمية موثقة في الذاكرة الشعبية الحضرية.

تصنف الدزيريات ضمن الحلويات ذات التشكيل اليدوي المعقد في حوض المتوسط وهي سمة تشير إليها الباحثة في تاريخ الطعام كلوديا رودن عند حديثها عن الحلويات الجزائرية الحضرية التي تميزت عن نظيراتها الريفية بالدقة الجمالية وبالاعتماد على اللوز والسكر بدل التمر والحبوب الخشنة وذلك في كتابها الكتاب الجديد للمطبخ الشرق أوسطي (The New Book of Middle Eastern Food).