في ظل ظروف النزوح القاسية، لم يتوقع عدنان أبو لبدة، الشاب الثلاثيني، أن تتحول سنوات جهده في رفح، حيث أسس مطاعمه الشعبية الصغيرة، إلى مجرد ذكرى معلقة على أبواب مغلقة ومعدات مهجورة، تاركًا كل شيء على أمل العودة القريبة. كان يمتلك مطاعم تقدم أكلات شعبية مثل الفلافل والحمص والفول، وكان يحرص على تفقد العمال والإشراف على العمل بنفسه، مدخرًا من عرقه لبناء بيت جديد لم يمضِ على السكن فيه سوى أشهر قليلة، ليجعله بيت الزواج الذي طالما حلم به.

لكن الحرب التي طالت رفح ومحافظات قطاع غزة، مسحت معه تعب السنين وادخارها، واضطر عدنان إلى النزوح قسرًا نحو مواصي خان يونس، تاركًا بيته الجديد ومحلاته بكامل معداتها، على أمل ألا تطول الأيام ويعود، غير أن الأيام طالت، والحرب اتسعت، حتى باتت رفح كما يصفها "ذاكرة مهدمة". في خيام النزوح، حيث الرمل يمتد حتى البحر، والرياح تعبث بأطراف الخيام، وجد عدنان نفسه أمام سؤال البقاء، فبعد أن فقد مطاعمه، قرر استغلال خبرته لافتتاح مطبخ متواضع في منطقة المواصي على ساحل محافظة خان يونس، ليطبخ للنازحين الذين أنهكتهم الحرب والجوع.

وقال عدنان: "بدأنا بإمكانيات بسيطة جدًا، بمعدات ومطبخ متواضعين، لكن الحاجة كانت أكبر من كل الإمكانيات، كنا نطهو ما يتيسر ونوزعه على الخيام القريبة". ومع مرور الوقت، تيسرت بعض الأمور، وتعاقد مع عدد من المؤسسات والأفراد لتجهيز وجبات تُقدَّم للنازحين، خصوصًا في شهر رمضان.

مبادرات إفطار جماعي تخفف المعاناة

في مخيم الطاهر، التابع لعائلة الحاج يعقوب الآغا، والذي يضم أكثر من 250 عائلة من مختلف أنحاء قطاع غزة، تُنظَّم في كل عام مع حلول رمضان إفطارات جماعية، واستطاع عدنان من خلالها وبالتعاون مع الجهات الداعمة، تأمين عدة موائد إفطار جمعت عشرات العائلات تحت خيمة واحدة. في إحدى تلك الإفطارات، جلست المواطنة ابتسام الخالدي، التي فقدت زوجها وتعيل ولدًا وثلاث بنات، تراقب أبناءها وهم يأكلون وجبة طالما غابت عن مائدتهم.

وقالت ابتسام: "هذه أول مرة آتي مع أولادي إلى إفطار جماعي داخل الخيمة، لم يعد في بيتنا لحم أو دجاج، والأولاد يطلبون اللحم وقد ملّوا البطاطا والعدس والمجدرة، قررت أن أصطحبهم إلى الإفطار الجماعي، وكان الطعام يومها دجاجًا مع الأرز، أكلنا جميعًا، وكانت الرائحة شهية والدجاج بكمية مناسبة، بعدها صرت أحرص على الحضور كلما كان هناك إفطار جماعي". بالنسبة لابتسام، لم تكن المسألة مجرد وجبة مشبعة، بل لحظة استعادة مؤقتة لطقوس فقدتها العائلة منذ فقدان معيلها، وسط واقع معيشي يزداد قسوة يومًا بعد يوم.

أما زهير القرا، وهو أب لأربع بنات وثلاثة أبناء، ووالد لشهيد، ويعاني نصف أبنائه أمراضًا وراثية، ولا يعمل هو أو زوجته، ويعتمدون بشكل أساسي على التكايا والمساعدات. واضاف عدنان إن حالة زهير تحظى بعناية خاصة، موضحا أنهم يحاولون إيصال الطعام إلى داخل خيمته نظرًا للظروف الصحية لأبنائه وبناته.

توفير الدعم الغذائي للمحتاجين

في خيمة زهير، تتحول الوجبة اليومية إلى ضرورة طبية أحيانًا، لا مجرد حاجة غذائية. ويرى زهير في هذه المبادرات شريان حياة، مبينا أنهم يعيشون على ما يصلهم من التكايا، ومضيفا انه لولاها لما عرفوا كيف يوفرون الطعام، خاصة مع ارتفاع الأسعار بشكل كبير مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

بدوره، قال حمادة القاضي: "أذهب إلى الإفطار الجماعي حبًا بأكل الجماعة، وأحب أن ألبي دعوة إدارة المخيم، نجتمع ونتحدث مع جيراننا في الخيام، ونكسر شيئًا من العزلة، كما أننا لا نقوى على المصاريف اليومية، فالتكية توفر جزءًا مهمًا من النفقات، خصوصًا في ظل ارتفاع الأسعار". وأضاف القاضي أن ذلك يأتي بعد حرمان طويل ومجاعة وحصار، فصارت وجبة الإفطار الجماعي فرصة ينتظرونها.

في المواصي، حيث تتكدس الخيام على امتداد الساحل، لا تُقاس قيمة المبادرات بحجمها، بل بقدرتها على سد فجوة الجوع وإعادة شيء من الإحساس بالحياة الطبيعية، فالمطبخ الذي بدأ بموقد صغير، بات اليوم مساحة لقاء، ومتنفسًا لأسر أنهكها النزوح وفقدان الأحبة والممتلكات. عدنان الذي خسر بيته الجديد ومطاعمه في رفح، لم يستسلم لفكرة الخسارة الكاملة، بل يحاول أن يعيد بناء ذاته من خلال خدمة غيره، منتظرًا اليوم الذي يعود فيه إلى مدينته، ويعيد فتح أبواب محلاته، لا ليبيع الفلافل والحمص فحسب، بل ليعلن أن ما هدمته الحرب يمكن أن يُبنى من جديد، ولو من بين ركام الذكريات.