في تطور لافت يشهده المشهد السياسي الإيراني، احتشد أنصار المؤسسة الحاكمة في طهران، معلنين ولاءهم لمجتبى خامنئي، وذلك لخلافة والده علي خامنئي في منصب المرشد الأعلى للبلاد، ويعكس هذا المشهد استمرار نفوذ المحافظين المتشددين في السلطة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مستقبل السياسة الداخلية والخارجية لإيران.

وتزامنا مع هذه التطورات، تتصاعد المخاوف في الأسواق الدولية حيال استمرار تعطل إمدادات الطاقة العالمية، الذي يعتبر بالفعل من بين الأسوأ في التاريخ، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط وهبوط حاد في أسواق الأسهم، وسط قلق متزايد من تداعيات اقتصادية أوسع نطاقا إذا ما طال أمد الأزمة.

في المقابل، أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن رفضه لتولي مجتبى خامنئي، البالغ من العمر 56 عاما، منصب المرشد الأعلى، مطالبا إيران بـ«الاستسلام غير المشروط»، ما يزيد من حدة التوتر بين البلدين.

مجتبى خامنئي: من هو المرشد الجديد لإيران؟

ويعتبر المرشد الجديد رجل دين يتمتع بنفوذ واسع على الأجهزة الأمنية وشبكة الأعمال المرتبطة بها، وقال ترمب ردا على سؤال بشأن المرشد الجديد: «أعتقد أنهم ارتكبوا خطأ فادحا»، معبرا عن استيائه من هذا الاختيار.

ونقلت صحيفة «نيويورك بوست» عن ترمب قوله ردا على سؤال حول الخطوات المقبلة بعد انتخاب خامنئي الابن: «لن أقول لكم... أنا لست مسرورا»، مما يثير التكهنات حول السياسة التي ستتبعها الولايات المتحدة تجاه إيران في المرحلة القادمة.

في غضون ذلك، أفادت وكالة الصحافة الفرنسية بأن آلاف الإيرانيين تجمعوا في ساحة مركزية في طهران لمبايعة المرشد الجديد، ورفع المتجمعون الأعلام الإيرانية وصور مجتبى خامنئي، في مشهد يعكس الانقسام في الشارع الإيراني.

استعراضات وتأييد وسط أجواء متوترة

وبثت وسائل إعلام رسمية لقطات لحشود كبيرة خرجت إلى الشوارع في عدة مدن لإظهار التأييد للمرشد الجديد، رافعين علم البلاد وصورا له ولوالده، الذي قتل في قصف خلال اليوم الأول من الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران قبل أكثر من أسبوع.

وفي أصفهان، ذكر التلفزيون الرسمي أن دوي انفجارات قريبة، يعتقد أنها ناجمة عن غارات جوية، سمع في وقت احتشد فيه مناصرون للمرشد الجديد في ميدان الإمام وهم يهتفون «الله أكبر» قرب منصة تحمل صورا لمجتبى وعلي خامنئي.

وفي طهران، أفادت التقارير بسماع منشد محسوب على مكتب خامنئي يردد شعار «إما الموت وإما خامنئي... دمنا يقود إلى الجنة»، في مشهد عكس أجواء التعبئة السياسية التي رافقت الإعلان عن القيادة الجديدة.

تعهدات بالولاء وبيعة المؤسسات

على الصعيد السياسي، أصدرت مؤسسات إيرانية وشخصيات سياسية تعهدات متتالية بالولاء للمرشد الجديد، وأفادت وسائل إعلام رسمية بأن زوجته وابنه ووالدته قتلوا في بداية الهجوم الجوي الأميركي الإسرائيلي.

وفي السياق نفسه، أعلنت مؤسسات ومسؤولون تباعا «البيعة» للمرشد الجديد، ومن بين الجهات التي أعلنت دعمها علي لاريجاني، ومسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية محسني إيجئي، ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام صادق لاريجاني، إضافة إلى وحدات «الحرس الثوري» ووزارات مختلفة وقوات الشرطة ونواب البرلمان.

وجاء في بيان للجنة الدفاع العليا: «سنطيع القائد حتى آخر نقطة من دمائنا»، وأعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية مبايعة مجتبى خامنئي قائدا أعلى للقوات المسلحة بعد اختياره مرشدا من قبل مجلس خبراء القيادة.

تحذيرات إقليمية ودعوات للوحدة

وأكدت هيئة الأركان في بيان أن القوات المسلحة ستقف «حتى آخر نفس» تحت قيادة المرشد الجديد في مواجهة ما وصفته بـ«مؤامرات الأعداء»، وأضافت أن انتخاب مجتبى خامنئي يمثل «خطوة تؤكد حكمة مجلس خبراء القيادة لعبور البلاد مرحلة تاريخية حساسة».

كما شددت هيئة الأركان على أن القوات المسلحة ستواصل الدفاع عن أمن إيران ومصالحها «حتى آخر نفس وآخر قطرة دم» تحت قيادة المرشد الجديد، وفي الوقت نفسه، حذرت من أن قواتها ستجعل الولايات المتحدة و«أعداء الأمة» يندمون على أي اعتداء على إيران.

في السياق السياسي، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني إن مجلس خبراء القيادة اختار مجتبى خامنئي مرشدا للبلاد وفق مسار قانوني كامل، بعد دراسة أسماء عدة مرشحين، وأضاف لاريجاني أن «الأعداء» ظنوا أن اغتيال علي خامنئي سيدخل إيران في مأزق، إلا أن قرار مجلس الخبراء أفشل هذه الحسابات.

انقسام داخلي ومواقف دولية متباينة

ودعا لاريجاني جميع القوى السياسية في إيران إلى تجاوز الخلافات السابقة، والالتفاف حول القيادة الجديدة لمواجهة التحديات، كما أعرب عن أمله في أن تشهد إيران في عهد المرشد الجديد تقدما اقتصاديا وتنمويا وتحسنا في معيشة المواطنين.

وقال لاريجاني في رسالة نشرها عبر منصة «إكس» إن اختيار خامنئي الابن قائدا للجمهورية الإسلامية «أصاب الأعداء الذين يشنون الحرب باليأس»، في إشارة إلى رهانات خصوم إيران على حدوث فراغ في القيادة.

في المقابل، انقسم الإيرانيون بين مؤيدين اعتبروا اختيار المرشد الجديد إعلانا عن التحدي، ومعارضين يخشون أن يقضي ذلك على آمالهم في التغيير، بحسب ما نقلته وكالة «رويترز»، ويشير مراقبون إلى أن الحرب أسهمت في تقليص مساحة التحرك السياسي داخل البلاد.

تحذيرات إسرائيلية وهيمنة المتشددين

وفي هذا السياق، تقول إسرائيل إن هدفها من الحرب هو الإطاحة بحكم رجال الدين في إيران، وقالت إسرائيل إنها ستقتل من يتولى منصب المرشد ما لم توقف إيران ما وصفته بسياساتها العدائية.

من جهتها، اعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن مجتبى خامنئي «مستبد» سيواصل «وحشية النظام» في إيران، ونشرت الوزارة على منصة «إكس» صورة لعلي ومجتبى خامنئي يحمل كل منهما بندقية مع تعليق «كما الأب كذلك الابن».

وقال كليمنت ثيرم، الباحث المشارك في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، إن تعيين نجل الزعيم الراحل يعكس سيطرة المتشددين داخل النظام الإيراني، الذين يستمدون قوتهم من أجهزة الأمن والقمع الداخلي، ويسعون إلى مواجهة الضغوط الخارجية بالتصعيد.