يستقبل الصومال شهر رمضان بعادات فريدة تميزه عن غيره من البلدان، ورغم الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد من الناحية الأمنية والاقتصادية، حافظ المجتمع الصومالي على تقاليده الرمضانية العريقة، متمسكا بممارسات اجتماعية وثقافية تعكس هويته وتراثه الغني.

وفي ظل سعي الصومال نحو الاستقرار، يحرص الصوماليون على إحياء عاداتهم وتقاليدهم الخاصة التي تعبر عن التحدي والوفاء لتراثهم الشعبي الأصيل.

وتظهر هذه الروح في مظاهر متنوعة، تبدأ من المائدة الرمضانية التي تتزين بالسمبوسة وحليب النوق، مرورا بمدارسة القرآن الكريم في حلقات "سبع سون" والمسابقات القرآنية، وصولا إلى مبادرات التضامن الاجتماعي والسهرات الرمضانية التي تضفي أجواء خاصة على ليالي مقديشو.

إغلاق المطاعم والسمبوسة سيدة المائدة

ومع بداية شهر رمضان، تشهد المطاعم الكبيرة والمشهورة إغلاقا مؤقتا لأبوابها، وهي عادة رمضانية متوارثة لدى الصوماليين، بينما تزدهر المقاهي الصغيرة خلال هذا الشهر، مستغلة الإقبال المتزايد عليها.

وقال ماهر، وهو نادل في أحد مطاعم مقديشو، إنه يعتبر شهر رمضان "إجازة العام"، ليستغل نفحات الشهر الفضيل ويقضي وقتا ممتعا مع أسرته، ويستعد نفسيا للعودة إلى العمل بنشاط وحيوية أكبر.

واضاف ملاك المطاعم يستفيدون من هذا الشهر في تجديد مرافقهم ومنح إجازة لموظفيهم، لكي يستفيدوا من بركات هذا الشهر الكريم.

حليب النوق ووجبة السحور

وتعتبر السمبوسة من الأطباق الرئيسية على المائدة الرمضانية في الصومال، وتحظى بشعبية كبيرة بين الصوماليين، حيث يتم إعدادها بمكونات مختلفة حسب القدرة المادية لكل أسرة.

وبين عبدالرحمن بشير، وهو صاحب أحد المحلات، أن شهر رمضان هو الفترة الأكثر ازدحاما بالنسبة لهم، حيث تزداد المبيعات بنسبة كبيرة مقارنة ببقية أشهر السنة، نظرا للإقبال الكبير على السمبوسة.

واكد ان الناس يفضلون البدء بها بعد التمر مباشرة.

موائد الإفطار وعودة المغتربين

ويعد حليب النوق من المشروبات الأساسية عند الصوماليين، ويزداد الطلب عليه في شهر رمضان بشكل ملحوظ، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعاره، ويلجأ إليه الكثيرون لتعزيز صحتهم والاستفادة من فوائده الغذائية.

واوضح الأطباء يشجعون على تناوله للمرضى الذين يعانون من مشاكل في الجهاز الهضمي، حيث يساعد على تقليل مقاومة الأنسولين، ويعد مصدرا غنيا بالبروتين والدهون الصحية.

وتعتبر "السور" من الأكلات الشعبية التقليدية في الصومال، وهي وجبة قديمة تعود إلى حياة الريف، وتتكون من الذرة المطحونة أو الدقيق، وتقدم مع السمن أو اللبن أو اللحم والمرق، وتحتل مكانة خاصة في رمضان، حيث تعد وجبة السحور الأكثر شيوعا.

المسابقات القرآنية وسهرات مقديشو

وتشهد موائد الإفطار الجماعية انتشارا واسعا في الصومال خلال شهر رمضان، حيث تقيم كل فئة من المجتمع موائد إفطار خاصة بها، كالشركات الكبيرة والمسؤولين الحكوميين والنقابات المهنية.

وازدادت في السنوات الأخيرة عادة إقامة موائد الإفطار في الشوارع الكبيرة في مقديشو، بحضور مختلف الفئات من مسؤولين حكوميين وممثلي قطاع الأعمال وشرائح المجتمع المدني.

واضاف في رمضان يعود أبناء الشتات إلى البلاد لزيارة الأهل والأصدقاء، ويحرص بعضهم على قضاء إجازاتهم السنوية في الصومال خلال هذا الشهر، للاستمتاع بأجوائه الروحانية والاجتماعية.

جيروني وحملات الإغاثة

وتنطلق المسابقات القرآنية في عموم البلاد خلال شهر رمضان، إيمانا بأهمية إحياء القرآن الكريم في هذا الشهر الفضيل، وتعقد المدارس والولايات مسابقات لمنتسبيها، ويشارك فيها الفائزون الأوائل.

وبين ان عادة "سبع سون" تتألف من كلمتين، الأولى "سبع" وهي عادة مراجعة القرآن عبر الجلوس في حلقات دائرية، والثانية "سون" وتعني الصيام، ويشير المصطلح إلى مدارسة القرآن الرمضانية.

واكد ان هذه الطريقة تظهر بكثافة في القرى والأرياف، حيث يجتمع الحفاظ في فرق تطوف أحياء القرى يقرؤون القرآن معا، وتتولى الأسر تقديم الإفطار والعشاء إكراما لهم.

وتزداد حملات إغاثة المحتاجين خلال شهر رمضان، اقتداء بالرسول الكريم محمد ﷺ، حيث يتبنى الشباب ومؤسسات المجتمع المدني حملات إفطار للأسر النازحة في المخيمات، وحملات لشراء ملابس العيد للأطفال الفقراء.

وكشفت انه من بين هذه المبادرات "حملة كسوة العيد للأطفال"، وهي حملة شبابية تهدف إلى توفير ملابس العيد للأطفال المحتاجين وسكان المخيمات.

وفي ليالي رمضان، تعود الحياة إلى مقديشو بعد صلاة التراويح، حيث تعود حركة الأسواق إلى ذروتها، ويسهر الشباب في المقاهي والشوارع حتى السحر، بينما تحيي بعض الأسر الليل بالصلاة والدعاء.