في فترة شهدت تزايد اطماع الدول الاستعمارية في المنطقة العربية خلال اواخر العهد العثماني، وتحديدا في فلسطين والقدس، تمكنت بعض الدول والبعثات من شراء اراض وعقارات لاغراض سياسية او طبية او "تبشيرية".
وخلال حكم محمد علي باشا وابنه ابراهيم لبلاد الشام بين عامي 1831 و 1841، بدا منح الامتيازات للدول الغربية في القدس، وفق الباحث في تاريخ القدس ايهاب الجلاد، الذي اوضح ان هذه الدول منحت صلاحيات لشراء الاراضي في المدينة.
من هنا بدا ظهور المباني "التبشيرية" المسيحية التابعة لدول اجنبية، بعدما كانت الابنية المسيحية محلية فلسطينية الطابع والهوية، اذ بدا البناء الاوروبي في القدس باول قنصلية لبريطانيا قرب باب الخليل داخل اسوار القدس، والتي تحولت لاحقا الى اول كنيسة للبروتستانت في الشرق الاوسط، وفق الجلاد.
ما قصة عقار بيت الاسقف وكيف وصل للمزاد؟
وازدادت الامور سوءا بعد هزيمة العثمانيين في حرب القرم عام 1856، اذ اضطرت الدولة الى سن قانون عام 1869 يسمح للدول الاجنبية بشراء الاراضي، وفق الباحث المقدسي، وكان بينها الارض التي اقيم عليها عقار يعرف بـ"بيت الاسقف" المعروض اليوم للبيع من شركة اسرائيلية بقيمة 17 مليونا و400 الف دولار.
ووفق تقرير نشرته صحيفة هارتس الاسرائيلية، فان "عقارا تاريخيا استثنائيا" معروض للبيع في القدس بقيمة 17.4 مليون دولار امريكي، ووصفته بانه احد الابنية المهمة التي شيدت في القرن الـ 19 في شارع "الانبياء".
ويمتد شارع "الانبياء" مع الخط الوهمي الفاصل بين شطري المدينة المحتلة عام 1948 والمحتل عام 1967، بمحاذاة الجهة الشمالية لاسوار البلدة القديمة في القدس، انطلاقا من منطقة باب العامود مرورا بحي المصرارة وصولا الى تقاطع شارع يافا في قلب المدينة.
تفاصيل ومعلومات حول عقار بيت الاسقف
ويعد الشارع من اقدم الشوارع التي نشات خارج الاسوار في اواخر العهد العثماني، حين بدات المدينة بالتمدد شمالا، وعلى جانبيه تنتصب مبان تاريخية تعود الى عائلات او لبعثات دينية ومؤسسات طبية وتعليمية اجنبية، مما جعله شاهدا على التحولات العمرانية والسياسية التي عرفتها القدس الحديثة، وحلقة وصل بين البلدة القديمة ومركز المدينة الغربي.
وذكرت الصحيفة على موقعها الالكتروني معلومات عن العقار وتسلسل ملكيته، وجاء فيها ان بناء شيد خلال العهد العثماني وتحديدا عام 1876، وعرف باسم "بيت الاسقف"، لانه كان مقر اقامة اسقف انجليكاني وجزءا من انشطة "التبشير" البريطانية في المدينة.
والقصر مكون من طابقين، وتبلغ مساحة الطابق الارضي 3930 مترا مربعا، في حين تبلغ مساحة الطابق الثاني 2690 مترا مربعا، اما مساحة السطح فتبلغ 2475 مترا مربعا، ويطل المبنى على اسوار البلدة القديمة والمسجد الاقصى.
تاريخ عقار بيت الاسقف واستخداماته المختلفة
وخلال الحرب العالمية الثانية، تغير استخدام المكان ليصبح مصنعا للزجاج، وفي وقت لاحق، استضاف روضة اطفال تديرها فرقة "تبشيرية" فنلندية.
وفي سبعينيات القرن الماضي، سكنته عائلة رجل الاعمال والناشر روبرت ماكسويل، ويرتبط اسم العائلة اليوم بالازمات المالية التي ادت الى انهيار امبراطورية ماكسويل في اوائل التسعينيات وبـ "غيلين ماكسويل" شريكة "جيفري ابستين" التي ادينت بالتواطؤ في الاتجار بالجنس.
ولاحقا شغلت شركة "ازوريم" العقارية الاسرائيلية المبنى، وقامت ببناء 116 شقة على ارض تقع خلف المبنى التاريخي، وقبل بضعة اعوام، باعت هذه الشركة "بيت الاسقف" ليهودي بريطاني من عائلة "بولاك"، لكن العائلة لم تسكن في المنزل قط، وظل مؤجرا لشركة "ازوريم" حتى قبل عامين، وتستخدمه الشركة مكتب مبيعات لمشروع الشقق السكنية.
قيود صارمة على مثل هذه العقارات
ووفق هارتس، فان مثل هذه العقارات نادرا ما تعرض للبيع، ويعود ذلك اساسا الى القيود الصارمة المفروضة للحفاظ عليها، فضلا عن مساحتها الشاسعة في قلب المدينة.
ونقلت الصحيفة عن احد خبراء تقييم الاراضي - لم تسمه - ان منطقة شارع "الانبياء" التي كانت تتميز بطابع "بوهيمي" (غير تقليدي) اصبحت الان من اكثر المناطق المرغوبة في المدينة، ومن ميزاتها ان مبانيها كبيرة ولا يمكن تقسيمها الى شقق اصغر، مما يقلل من عدد المشترين المحتملين، كما تتميز ايضا بقربها من بابي العامود والخليل (من ابواب البلدة القديمة في القدس).
بناء معماري على الطراز العربي
وبخصوص القصر، يقول الجلاد ان طرازه المعماري اشتهر في قصور القرن الـ 19 التي شيدت بايدي بنائين عرب، وعرف تصميم النافذتين المتجاورتين حينئذ بنظام "المجوز"، وتعلو الاقواس النوافذ في هذا النظام لحمايتها وتخفيف الاحمال عنها.
ووفقا للباحث المقدسي، فان واجهة المبنى تشبه الى حد كبير واجهة المستشفى "الفرنساوي" في مدينة بيت لحم وبوابة المدرسة النحوية في المسجد الاقصى، وجميعها بنيت اواخر القرن الـ 19 واوائل القرن الـ 20.
ويرجح الجلاد ان الحجارة جلبت لتشييد هذا المبنى من مدينة بيت لحم التي تشتهر بحجرها الاحمر المائل الى اللون الوردي، ويرجح ايضا ان من عمل على تشييد المبنى هم حجارون من بيت لحم "فالبناء بمعماره وفنه عمل عليه عرب، ويجمع بين العمارة المحلية المحدثة السائدة في القرن الـ 19 والعمارة الاوروبية".
اهمية شارع الانبياء وسبب تسميته
ويوضح الباحث الجلاد ان العقار المعروض للبيع يقع في شارع يحظى باهمية تاريخة من اوجه عدة، فقد كان يعرف قديما باسم شارع "المستشفيات" لوجود 5 مستشفيات على امتداده، هي روتشيلد والايطالي المعروف شعبيا باسم المستشفى "الطلياني" والانجليزي والالماني ومستشفى الاطفال.
واطلق على هذا الشارع ايضا اسم شارع "القنصليات" لانه كان يضم القنصليات الامريكية والالمانية والاثيوبية وغيرها، وبعد منتصف القرن الـ 19 اصبح شارعا مهما جذب البروتستانت بشكل خاص، ومن بينهم المهندس المعماري والمبشر الالماني "كونراد شيك" الذي كان يملك منزلا عرف باسم "بيت طابور"، اشتراه بعده مجموعة من السويديين البروتستانت الذين وصلوا بفكرة "تبشيرية" لليهود تحت مظلة "جمعية لندن"، ثم تحول المبنى الى مستشفى من اجل تنصير اليهود، لكن اليهود انشؤوا في المقابل مستشفى لمنع جمهورهم من الذهاب الى اخرى "تبشيرية".
وبنيت ايضا فنادق منها فندق "سان ريمو" باموال المقدسية امينة الخالدي، اضافة الى فندق "كيمنيتس" وغيرهما من الفنادق المشهورة.
شارع المصرفيين ورجال الاعمال
وعاش في شارع الانبياء قديما عدد من المصرفيين ورجال الاعمال، من بينهم رجل الاعمال "يوسف فانون" احد مؤسسي خط السكة الحديدية بين القدس ويافا.
واضافة الى ذلك، فان عددا من الكنائس والمدارس ما زالت تقدم دورها وخدماتها في هذا الشارع، ومن بينها مدرسة الانجليكان وراهبات مار يوسف والسالزيان.
وفي حديث سابق، قال الباحث والمؤرخ عادل مناع ان البريطاني "رونالد ستورس" هو من اطلق اسم شارع الانبياء على هذا الشارع في بداية عشرينيات القرن الـ 20، اي ابان الانتداب البريطاني على فلسطين، ويقال ان احد اسباب تسمية الشارع بهذا الاسم هو "وجود قبور لبعض الانبياء، والمعروف منها حقيقة هو قبر النبي عكاشة الذي له جامع في المكان، وهو جامع مهمل منذ عام 1948، ويعد من بين مئات الجوامع المهملة في المناطق المهجرة بفلسطين، لان اسرائيل لا تحافظ على الاماكن المقدسة غير اليهودية".
