شهدت جيبوتي انعقاد قمة رئاسية جمعت قادة جيبوتي وإثيوبيا والصومال، وذلك للمرة الثانية خلال فترة قصيرة نسبيا تقدر بنحو 40 يوما، وقد تناولت القمة ملفات إقليمية هامة تثير بعض التوترات، ما أثار تساؤلات حول موقف مصر من هذه التطورات، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة مع إثيوبيا بسبب ملف سد النهضة ورغبة إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري.

وأظهرت صور نشرتها وكالة الأنباء الإثيوبية للقاء الذي عقد في جيبوتي، أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قد أجرى محادثات تركزت حول التعاون الإقليمي، دون الخوض في تفاصيل إضافية حول طبيعة هذه المحادثات ومخرجاتها.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية بأن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود شارك أيضا في هذه القمة الثلاثية إلى جانب رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيلي، مبينة أن القمة ركزت بشكل أساسي على تعزيز التنسيق المشترك بين الدول الثلاث، خاصة في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب.

تركيز على التعاون الاقتصادي والأمني

وإضافة إلى ذلك، ناقش القادة خلال الاجتماع سبل دعم جهود الصومال في مسار التحول الديمقراطي، والعمل على تطوير الاستثمارات المشتركة بين الدول، وتسهيل حركة التنقل بين دول المنطقة، بهدف تعزيز مشاريع البنية التحتية الاقتصادية التي تدعم التكامل الإقليمي وتعزز فرص التنمية المستدامة.

وتعد هذه القمة هي الثانية من نوعها خلال أقل من شهرين، حيث سبق أن اجتمع القادة الثلاثة في شرق إثيوبيا، وقد ذكرت الوكالة الصومالية حينها أن الاجتماع تناول الوضع الأمني والسياسي في منطقة القرن الأفريقي، وسبل إيجاد حلول للتحديات القائمة وتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.

وقال مصدر مصري مطلع إن القاهرة تتابع عن كثب النشاط الإثيوبي في هذه المنطقة، معربة عن خشيتها من محاولة استغلال الظروف الإقليمية والدولية لإعادة ترتيب النفوذ.

موقف مصر من التطورات الإقليمية

وأضاف المصدر في تصريحات صحفية أن الأهم بالنسبة لمصر هو أن ردود فعل جيبوتي والصومال تتسق مع ما تم الاتفاق عليه بشأن رفض هيمنة أديس أبابا، مؤكدا أن هذا لا يعني تدخلا مصريا في العلاقات بين هذه الدول، ولكن فكرة الهيمنة والتوغل مرفوضة تماما من جانب مصر.

ولا يتوقع خبراء مصريون أن تسفر هذه القمة عن تحالف استراتيجي، بل يرونها فرصة لتعزيز التعاون الثلاثي وتعظيم المصالح المشتركة على حساب الخلافات التي كانت قائمة بين إثيوبيا والصومال في الأعوام الماضية.

وشهدت منطقة القرن الأفريقي سلسلة من القمم اللافتة وسط توترات كبيرة، وكان من أبرزها القمة الرئاسية التي جمعت بين الصومال ومصر وإريتريا، حيث أكد القادة الثلاثة على التحالف في مواجهة التحديات والتهديدات التي تواجه المنطقة.

تحليل للقمة وتأثيراتها المحتملة

ويرى نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية صلاح حليمة، أن هذه القمة لا ترقى إلى وصف تحالف جديد، بل هي تعاون ثلاثي بين دول المنطقة، ومساع لتنسيق الجهود حول ملفات حيوية مثل مكافحة الإرهاب وتطوير التعاون في مجالات الاستثمار المختلفة.

وأضاف حليمة أن الموضوعات التي تناولتها القمة تهدف إلى تحقيق الأمن والاستقرار ودفع عملية التنمية المشتركة، مشيرا إلى أن هذا التوجه لا يتعارض مع التوجهات المصرية التي تهدف بدورها إلى شيوع السلام في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وتعزيز العلاقات بين دول الجوار.

ويتفق معه في الرأي عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية رخا أحمد حسن، الذي يشير إلى أن القمة تأتي في إطار تعزيز المصالح المشتركة بدلا من الخلافات، خاصة بين الصومال وإثيوبيا.

إثيوبيا والبحث عن منفذ بحري

وقبل انعقاد القمة الأولى بنحو 10 أيام، قام رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بزيارة إلى جيبوتي، حيث ركز على قضايا التجارة والخدمات اللوجيستية، وسط جدل مستمر بسبب تمسكه بوجود منفذ على البحر الأحمر لبلاده، الأمر الذي يرفضه كل من مصر والدول المشاطئة.

وأصبحت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها، ما جعلها تعتمد على مواني جيرانها، وتعتمد بشكل أساسي على ميناء جيبوتي الذي يخدم الجزء الأكبر من تجارتها الدولية.

واستبعد السفير حليمة أن يكون التحرك الأخير جزءا من ترتيبات تخص ملف النفاذ الإثيوبي للبحر الأحمر، موضحا أن مسألة المنفذ البحري تناقش عادة في إطار اتفاقيات دولية بين دولتين، وليس كشأن إقليمي داخل دولة واحدة.

وفيما يتعلق بالصومال، بين حليمة أنها تتحرك وفق استراتيجية تهدف لتحقيق أمنها واستقرارها وتحولها السياسي، وتسعى لبناء علاقات متوازنة مع كل الأطراف، مشددا على أن العلاقات مع الدول المتشاطئة على البحر الأحمر هي علاقات متينة وتسير في إطارها الصحيح.

ووافقه في هذا الرأي السفير حسن، الذي قال إن حضور الصومال مثل هذه الاجتماعات مع إثيوبيا لا يعني خسارتها لمصر، موضحا أن الصومال لن تستطيع تعويض تعاونها مع مصر بتحالف مع إثيوبيا.