بالزغاريد والدموع ودعت بلدة قصرة جنوب مدينة نابلس بالضفة الغربية شهيدا آخر لبى نداء واستغاثة النساء والأطفال الذين استصرخوه لينقذهم من بطش المستوطنين مساء السبت الموافق 14 مارس. فروى بدمائه ثرى منطقة رأس العين وارتقى صائما.

لم يكن أمير معتصم عودة وحده من لبى هذا النداء فعند انتشار خبر اقتحام المستوطنين للمنطقة الغربية من البلدة كانت نساء قصرة يطلقن نداءات استغاثة بعد أن اقتحم المستوطنون المنازل وشرعوا في تكسير الممتلكات والاعتداء على السكان فسارع عدد من شبان البلدة للنجدة متوجهين إلى منطقة رأس العين تاركين أعمالهم في محاولة لحماية الأهالي والمنازل.

تترصد الجزيرة نت ظروف ما جرى ساعة الإفطار ذلك اليوم والظروف القاسية التي تعيشها بلدة قصرة منذ سنوات والتي ازدادت حدتها بالتزامن مع بدء حرب الابادة على غزة في 7 اكتوبر.

مجزرة محققة

الشاب اسلام عودة أحد الذين أصيبوا برصاص المستوطنين خلال الاعتداء يروي للجزيرة نت مشاهداته قائلا فور سماعي بالهجوم تركت عملي وتوجهت مباشرة إلى المكان مع آخرين ولم يتجاوز عددنا 7 الى 10 أشخاص.

ذلك العدد القليل من الشبان العزل وجد نفسه في مواجهة مجموعة من المستوطنين يتراوح عددهم بين 20 و30 مستوطنا مجهزين بالاسلحة والعصي والسكاكين بعد أن اعتدوا بالفعل على عدد من المنازل من بينها منزل الفلسطيني مرمر محمود عودة عم الشهيد أمير إلى جانب آخر مجاور.

لم يكتف المستوطنون باطلاق الرصاص على أمير في مقتل بل انهالوا بالعصي على رأسه بطريقة وبوحشية تاركين آثار جروح وضربات واضحة.

طعن بالسكاكين

يستذكر عودة تلك اللحظات قائلا إن الشبان تفاجؤوا بحجم القوة التي استخدموها خاصة أن أحدهم كان يحمل سلاحا رشاشا من طراز إم 16 وأطلق النار بكثافة في المنطقة مما جعل النجاة أقرب إلى المعجزة ويرى أن قلة عدد الشبان حالت دون وقوع مجزرة أكبر في المكان.

المشهد الاكثر قسوة بالنسبة للشاب كان الاعتداء على معتصم عودة واضاف والد الشهيد أمير لم يصب بالرصاص في البداية بل تعرض للطعن بالسكاكين والضرب بالعصي بعنف شديد حيث هاجمه 4 أو 5 مستوطنين دفعة واحدة ثم اصيب بالرصاص.

وحين حاول اسلام عودة التدخل لابعادهم عن أمير وحمايته أطلق المستوطنون 4 رصاصات تجاهه مرت اثنتان بجانبه بينما اصيب باخريين في ركبتيه.

استشهاد الابن وطعن الوالد

أصبحت الحياة في ظل هذه الاعتداءات أكثر قسوة إذ يخرج الناس يوميا وهم يودعون أبناءهم وإخوتهم دون أن يعرفوا ما قد يحمله اليوم التالي وفق عودة الذي رغم إصابته والرعب الذي عاشه خلال تلك اللحظات لم يغير موقفه واكد الصراع بات واضحا وصريحا إما نحن أو هم المستوطنون يعتقدون أنهم يمتلكون القوة بسبب السلاح لكن الفلسطينيين يستندون إلى إيمانهم وصمودهم وطالما أن الله معنا فنحن لا نخاف من أحد.

واضاف انه سيعود إلى الصفوف الاولى بعد شفائه مشددا على أن الرسالة التي يوجهها للاحتلال والمستوطنين هي أن الشعب الفلسطيني لن يقبل بالاستسلام أو التعايش تحت الاحتلال.

بدوره كشف عبد العظيم الوادي أحد نشطاء البلدة للجزيرة نت تفاصيل الاعتداء وكان شاهدا عليه موضحا أن الهجوم وقع على مرحلتين: الأولى: اقتحام مجموعة من المستوطنين لعدد من منازل المواطنين في القرية قبل أن يتدخل الجيش الاسرائيلي لاحقا ويعمل على ابعاد الاهالي الذين حاولوا الدفاع عن منازلهم فاضطر السكان إلى الانسحاب من المكان وعادوا إلى منازلهم استعدادا لموعد الافطار مع اقتراب اذان المغرب معتقدين أن الاعتداء قد انتهى. الثانية: عاد المستوطنون قبيل اذان المغرب وشنوا هجوما ثانيا على المنطقة بالقاء الحجارة على المنازل واطلاق الرصاص بشكل عشوائي وكان الشهيد أمير معتصم عودة من بين الشبان الذين حاولوا إلى جانب افراد من عائلته وعدد من الاهالي الدفاع عن المنازل في تلك اللحظة.

استيطان ممتد

واضاف الوادي اطلق المستوطنون النار باتجاه الشبان مما ادى إلى اصابة أمير عودة اصابة مباشرة اودت بحياته وخلال محاولة والد الشهيد التدخل لانقاذ ابنه والدفاع عنه هاجمه المستوطنون واعتدوا عليه متسببين له بعدة طعنات في جسده وقد نقل إلى المستشفى لتلقي العلاج كما اسفر الاعتداء عن اصابة شابين آخرين.

يعيش اهالي قرية قصرة منذ سنوات طويلة تحت وطأة اعتداءات متواصلة من قبل المستوطنين في ظل واقع استيطاني لا يقتصر عليها وحدها بل يمتد إلى معظم قرى جنوب نابلس لكن عرفت قصرة بصمودها في مواجهة التوسع الاستيطاني منذ عام 2011 ودفع سكانها ثمنا باهظا من شهداء واراض مهدرة.

وتفاقمت هذه الاعتداءات بعد بدء حرب الابادة على غزة في 7 اكتوبر حيث فرض على القرية حصار واغلاق مستمر فضلا عن احاطتها بثلاث مستوطنات وبؤر استيطانية جديدة ومصادرة مساحات واسعة من اراضيها.

راس العين .. المتنفس الاخير

ويستحضر الوادي اسماء عدد من الشهداء الذين سقطوا في القرية خلال السنوات الماضية وهم عصام بدران ومحمود زعل عودة وعبادة ابو سرور وقسام صايل وابراهيم الوادي واحمد الوادي ومهند ابو سرور ومصعب ابو ريدة والشهيد الاخير أمير معتصم عودة.

يتوقف عبد العظيم الوادي عند اهمية المنطقة التي وقع فيها الاعتداء وهي رأس العين الواقعة في محيط القرية موضحا أن جبلها يرتفع نحو 930 مترا فوق سطح البحر ويعد من اعلى القمم في محافظة نابلس بعد جبلي جرزيم وعيبال ويحتضن نبع رأس العين الذي شكل عبر التاريخ المصدر الرئيسي بل الوحيد للمياه لاهالي قصرة منذ عصور قديمة مما جعله موقعا حيويا ومركزيا في حياة سكان القرية.

كما تمثل المنطقة متنفسا طبيعيا للاهالي وتتميز باطلالات واسعة تمتد نحو البحر الابيض المتوسط وتل العاصور وجبلي جرزيم وعيبال في نابلس وصولا إلى غور الاردن.

سنوات من المواجهة

ويحظى جبل رأس العين وفق الوادي بمكانة خاصة لدى اهالي قصرة ليس فقط لقيمته الطبيعية والجغرافية بل لما يمثله من رمزية وارتباط تاريخي للاهالي بارضهم ويحيط به كذلك مساحات واسعة من اشجار الزيتون الرومية القديمة التي تقدر بالالاف وتشكل جزءا اصيلا من الارث الزراعي للقرية.

وحسب ما اوضح هاني عودة رئيس مجلس قروي قصرة للجزيرة نت فقد باتت الاعتداءات على القرية شبه يومية منذ سنوات طويلة رافقها مواجهة دفعت خلالها القرية ثمنا باهظا من الشهداء إلى جانب مساحات واسعة من الاراضي التي جرفت أو صودرت.

وتعيش القرية حالة حصار متواصلة منذ اكثر من عامين بعد اغلاق الطرق المؤدية اليها من الجهات الشرقية والجنوبية والشمالية وادى هذا الواقع إلى حرمان الاهالي من الوصول إلى مساحات واسعة من اراضيهم الزراعية ويتعرضون للاعتداء وفق عودة.

عنف متزايد

واوضح أن المنطقة الغربية من القرية هي المتنفس الوحيد المتبقي للاهالي وتعد المساحة العمرانية الاخيرة المتاحة للتوسع إضافة إلى كونها خزان المياه الاساسي للسكان لكن في الفترة الاخيرة استهدفتها المستوطنات بشكل مباشر بـ الاستيطان الرعوي.

واضاف أن الزيارات العائلية في بلدة قصرة محفوفة بالمخاطر نتيجة الاغلاقات والحصار المفروض عليها حيث اغلق الاحتلال البوابات في مداخل عدة واقام سواتر ترابية في طرق اخرى مما صعب حركة الاهالي بين مناطقها والقرى المجاورة بشكل كبير.

ويرى هاني عودة رئيس المجلس القروي أن السياسات الاسرائيلية الحالية تهدف إلى الضغط على الفلسطينيين لمغادرة اراضيهم عبر تكثيف الاعتداءات والتضييق على حياتهم اليومية بما في ذلك حرمانهم من الوصول إلى اراضيهم الزراعية أو العمل فيها.

ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان استشهد 8 فلسطينيين برصاص المستوطنين منذ بدء الهجوم الامريكي الاسرائيلي المشترك على ايران في 28 فبراير الماضي ليرتفع الاجمال إلى 44 شهيدا منذ بدء حرب الابادة على قطاع غزة.

بينما تفيد معطيات وزارة الصحة باستشهاد 1122 فلسطينيا منذ بدء العدوان على القطاع حتى 7 مارس الماضي في حين نفذ مستوطنون 91 اعتداء ضد الفلسطينيين وممتلكاهم بين 9 و15 من الشهر الجاري وفق تقرير حكومي نشر امس الاثنين.