في تطور لافت، جاء اعتراف عدة دول بفلسطين بمثابة مفاجأة للكثيرين، بعد أن ظل هذا الاعتراف حلما بعيد المنال لعقود، وذلك بسبب غياب التوافق الدولي اللازم، والضغوط الكبيرة التي مارستها إسرائيل والولايات المتحدة لمعارضة هذا التوجه.

وتسببت الضغوط الإسرائيلية والأمريكية في عرقلة اعتراف العديد من الدول بدولة فلسطين، في محاولة لتقويض أي تحرك دولي نحو دعم الحقوق الفلسطينية.

لكن مع بداية الخريف الماضي، تغير المشهد، فبعد مرور نحو عامين على اندلاع حرب غزة، سارعت عدة دول كبرى للاعتراف بدولة فلسطين خلال اجتماع الأمم المتحدة، واليوم، بدأت بعض هذه الدول في تفعيل هذا الاعتراف على أرض الواقع، وقبول تحويل الممثليات إلى سفارات كاملة الصلاحيات.

خطوة تاريخية في باريس

وكشفت صحيفة لوموند الفرنسية اليوم أن الرئيس إيمانويل ماكرون قد قبل أوراق اعتماد هالة أبو حصيرة سفيرة فوق العادة لدولة فلسطين في فرنسا.

وذكرت الصحيفة أن هذه الخطوة تعتبر أول ترجمة فعلية للاعتراف بدولة فلسطين، وهو الاعتراف الذي أعلنه الرئيس ماكرون في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك بعد أشهر من التردد والتوتر مع الحكومة الإسرائيلية التي كانت تعارض ذلك بشدة.

ويعني ذلك تحويل بعثة فلسطين إلى سفارة تتمتع بصلاحيات كاملة، وقالت أبو حصيرة بعد مغادرتها قصر الإليزيه للوموند "إنها لحظة تاريخية، وأنا فخورة بشعبي الذي دفع ثمنا غاليا جدا، وهذا اعتراف بحقوقه وبتضحياته".

تسهيلات دبلوماسية منتظرة

وتوضح لوموند أنه بعد رفع مستوى التمثيل الفلسطيني في باريس، من المتوقع أن يحصل موظفو البعثة الدبلوماسية على الامتيازات التي تترتب على ذلك، وذلك وفقا لاتفاقية فيينا لعام 1961 التي تنظم العلاقات الدبلوماسية بين الدول.

بالمقابل، لا تنوي فرنسا رفع مستوى تمثيلها لدى السلطة الفلسطينية، وتوضح لوموند، مذكرة بأن هذا الدور تقوم به القنصلية العامة لفرنسا في القدس، حيث تقدم خدمات قنصلية للإسرائيليين، كما تعمل كسفارة دبلوماسية لدى المؤسسات الفلسطينية الموجودة في رام الله بالضفة الغربية.

دعم دولي متزايد

وبحسب الصحيفة الفرنسية، فإن فتح سفارة لدى السلطة الفلسطينية سيزيد من تعقيد العلاقات مع إسرائيل.

وقد أكد الرئيس ماكرون قبل يومين أن أي شكل من أشكال الاحتلال أو الاستيطان لا يمكن أن يضمن الأمن، في إشارة إلى الهجمات الإسرائيلية على لبنان والأراضي الفلسطينية.

كما جدد ماكرون دعوته إلى مواصلة المسار السياسي نحو الاعتراف بدولة فلسطين، وهو النهج الذي تبنته فرنسا، معربا عن أمله في أن تحذو الأسرة الدولية حذوها.

فلسطين تثمن الاعترافات

وحصلت فلسطين على اعتراف من 10 دول، من بينها دول كبرى مثل بريطانيا وفرنسا، ليصل عدد الدول المعترفة بفلسطين إلى 159 دولة من أصل 193 دولة.

وكان السفير أحمد الديك المستشار السياسي لوزير الخارجية والمغتربين قد صرح في وقت سابق أن فلسطين ترى في الاعترافات "شجاعة تنسجم مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ومساندة للجهود المبذولة لإنهاء الاحتلال وتحقيق السلام، وإقرارا بالحقوق الفلسطينية وخاصة حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني".

واضاف أن الاعتراف "استحقاق قانوني والتزام أخلاقي على الدول، خاصة التي تقول إنها تتمسك بحل الدولتين، فضلا عن تأكيدها أن السلام يبنى على القانون الدولي وليس بالدبابات والجرافات والقصف وجرائم الإبادة والتهجير والضم".

ولا تعترف بفلسطين عدة دول، بما فيها إسرائيل والولايات المتحدة وحلفاؤهما، وترفض حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فكرة قيام دولة فلسطينية رفضا قاطعا، وفي 2024 صوت الكنيست الإسرائيلي على قرار ضد قيامها.

وكان رومان لوبوف أستاذ القانون الدولي في جامعة إكس مارسيه بجنوب فرنسا، قد وصف الاعتراف بدولة فلسطين بأنه "أحد أكثر المسائل تعقيدا" في القانون الدولي.

وقال لوكالة الصحافة الفرنسية إنه لا يوجد مكتب لتسجيل الاعترافات، وتابع موضحا "تدرج السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية كل ما تعتبره اعترافا في قائمتها الخاصة، لكن من وجهة نظر ذاتية بحتة، وبالمثل، ستعلن دول أخرى اعترافها أو عدمه من دون الحاجة إلى تبرير قرارها".