في جلسة اتسمت بالتوتر السياسي، تجنبت الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام الخوض في قرار وزير الخارجية جو رجي بشأن طرد السفير الإيراني، وجاء ذلك في ظل غياب وزراء حزب الله وحركة أمل الذين قاطعوا الجلسة احتجاجا، وتحولت الجلسة إلى اختبار حقيقي لتماسك الحكومة في ظل أزمتين: صراع داخلي حول القرارات السيادية وتصعيد إقليمي يضغط على لبنان من الجنوب وملف النزوح.

وشارك في الجلسة جميع الوزراء باستثناء المحسوبين على الثنائي الشيعي، وكانت مشاركة وزير شؤون التنمية الإدارية فادي مكي لافتة، إذ خرق المقاطعة الشيعية رغم إعلانه معارضته للقرار، مبررا مشاركته بـ"ضمان انتظام العمل العام"، ومؤكدا أنه "لا خيار إلا الدولة".

ولم تتناول مقررات الجلسة موضوع طرد السفير، وامتنع وزير الإعلام بول مرقص عن الإجابة عن أسئلة الصحافيين بعد الجلسة، في محاولة واضحة لتجنب الحديث عن هذا الموضوع، وذلك في ظل مساع لإيجاد حل للأزمة الشيعية، وعلم أن الثنائي الشيعي يرفض حتى الآن أي حلول مقترحة تتضمن الموافقة على تعيين طهران سفيرا جديدا في بيروت.

تباين المواقف السياسية يلقي بظلاله على الحكومة

وجاءت الجلسة بعد اتصالات مكثفة لم تنجح في احتواء الخلاف والتوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف، وذلك على خلفية قرار طرد السفير الإيراني الذي تحول إلى نقطة خلاف داخل الحكومة، بين من يرى فيه إجراء سياديا ومن يعتبره خطوة تحتاج إلى توازن أكبر.

وفي الوقت الذي تترقب فيه الأنظار موقف الثنائي الشيعي في المرحلة المقبلة، تشير المعلومات إلى أن مقاطعة جلسة الخميس لا تعني الانسحاب من الحكومة، بل هي رسالة اعتراض سياسية على مسار القرار، مما أبقى الخلاف داخل المؤسسات وأعاد تثبيت أسلوب إدارة النزاعات عبر التعطيل الجزئي بدلا من التصعيد الكامل.

ويشبه هذا المشهد وقائع سابقة، خاصة في ملف حصرية السلاح، حيث استخدمت المقاطعة كأداة ضغط دون الوصول إلى إسقاط الحكومة، مما يجعل جلسة الخميس استمرارا لنهج إدارة التوازنات الدقيقة داخل السلطة التنفيذية.

انقسام وزاري حول قرار طرد السفير الإيراني

وقبيل انعقاد الجلسة، عكست مواقف الوزراء انقساما واضحا في وجهات النظر، وقال وزير العدل عادل نصار إن قرار المقاطعة من حركة أمل وحزب الله في هذا الظرف غير مبرر، وبين وزير المهجرين كمال شحادة أن قرار طرد السفير الإيراني اتخذ بالتضامن مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ولا تراجع عنه.

واكد وزير الصناعة جو عيسى الخوري أنه لا تراجع عن القرار، فيما قال وزير الزراعة نزار هاني إن مقترحات عدة ستناقش ولا خطر على الحكومة، وقالت وزيرة السياحة إنها ضد تدخل إيران في الشؤون اللبنانية وكان يجب على الحكومة توجيه هذه الرسالة لإيران.

في المقابل، قال وزير العمل محمد حيدر إن مشاركة وزير التنمية الإدارية فادي مكي في جلسة مجلس الوزراء تعود إليه، مشيرا إلى أن الاتصالات كانت قائمة منذ صدور قرار وزارة الخارجية بشأن أوراق اعتماد السفير الإيراني، مع ضرورة ترك الأمور تأخذ مجراها للتوصل إلى حل، واوضح أن ظروف الحرب في لبنان تتطلب تضامن جميع الأطراف وتكثيف الاتصالات، معتبرا أن التراجع عن القرار بات ضروريا لتفادي الانقسامات، لافتا إلى أنه لا قرار لدى الثنائي الشيعي بمقاطعة الجلسات المقبلة والاتصالات مستمرة لإيجاد حلول مناسبة، وفي السياق نفسه، قال النائب حسين الحاج حسن إن السفير الإيراني لن يغادر بيروت.

وزير التنمية الإدارية يؤكد على ضرورة تغليب مصلحة الدولة

وفي بيان صدر عنه بعد مشاركته في الجلسة، أكد الوزير فادي مكي أنه يعارض القرار الذي اتخذته وزارة الخارجية، إلا أنه شارك في الجلسة انطلاقا من قناعته بأن المشاركة الفاعلة ضرورة وطنية لضمان انتظام العمل العام ومواجهة التحديات المتفاقمة، وقال إن لبنان يمر بأزمة وجودية مما يفرض تعزيز حضور الدولة وتغليب منطق المسؤولية الوطنية، مشددا على أن مجلس الوزراء يبقى الإطار الطبيعي لاتخاذ القرار الوطني.

واضاف مكي أن الأولوية يجب أن تكون لمواجهة عدوان إسرائيلي مستمر يتجلى في تدمير ممنهج واستهداف للمدنيين والبنى التحتية، معتبرا أن ذلك انتهاك صارخ للقانون الدولي.

واعلن وزير الإعلام بول مرقص عقب الجلسة أن مجلس الوزراء خصص اجتماعه لبند وحيد يتعلق بملف النازحين وتداعيات الحرب الإسرائيلية على مختلف المستويات، وذلك في ظل غياب وزراء المالية والصحة والبيئة والعمل.

لبنان يتجه إلى مجلس الأمن بسبب التهديدات الإسرائيلية

ونقل مرقص عن سلام تحذيره من خطورة التهديدات الإسرائيلية المتكررة باحتلال المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، مشيرا إلى حديث إسرائيلي عن ضم هذه المنطقة، بالتوازي مع تفجير الجسور على النهر وتهجير السكان وقضم الأراضي وهدم المنازل، معتبرا أن ذلك يشكل تهديدا مباشرا لسيادة لبنان ووحدة أراضيه وانتهاكا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

وفي هذا السياق، طلب سلام من وزارة الخارجية التقدم بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن، معلنا عزمه التواصل مع الأمين العام للأمم المتحدة لبحث هذه التطورات.

وفي ملف العلاقات الخارجية، أعرب سلام عن أسفه لما أعلنته الكويت من تفكيك خلية إرهابية تضم شخصين منتميين إلى حزب الله، مؤكدا تضامن لبنان الكامل مع الكويت وحرصه على أفضل العلاقات بدول الخليج، ومشددا على ضرورة التزام اللبنانيين بالقوانين في الدول التي يعملون فيها، وكشف عن اتصال أجراه برئيس الوزراء الكويتي للتعبير عن استنكار لبنان هذه الأعمال.

كما اشار إلى أن القصف الإيراني بات يتركز بنسبة كبيرة على دول الخليج ودول أخرى في المنطقة مقابل نسبة أقل على إسرائيل، معتبرا أن استهداف منشآت مدنية يشكل تطورا خطيرا لا يمكن للبنان تجاهله، ومؤكدا أنه سيجري اتصالات مع قادة الدول الخليجية للتعبير عن التضامن.