تحول ملعب فلسطين بغزة، الذي كان يعج بالحياة والرياضيين، إلى مخيم للنازحين بعد أن دمرته الحرب، حيث نصبت الخيام على أرضيته الخضراء، وأجبرت العائلات على السكن في المدرجات بعد فقدان منازلهم.
خلال الحرب على غزة، اقتحم الجيش الإسرائيلي الملعب عدة مرات، وقتل واعتقل العشرات من الفلسطينيين، تاركا ذكريات مؤلمة في نفوس الرياضيين الذين عاشوا لحظات لا تنسى فيه.
لم يكن ملعب فلسطين المنشأة الرياضية الوحيدة التي استهدفتها الغارات الإسرائيلية، بل طال القصف أكثر من 265 ملعبا وصالة رياضية، واستشهد أكثر من ألف رياضي فلسطيني، بينهم المئات من لاعبي ومدربي كرة القدم.
تدمير ممنهج للمنشآت الرياضية
واضاف مصطفى صيام، أمين عام اتحاد الإعلام الرياضي الفلسطيني، أن الحركة الرياضية الفلسطينية كانت هدفا مباشرا للآلة العسكرية الإسرائيلية على مر السنين.
وبين في حديثه أن الاستهداف لم يكن عشوائيا، بل طال الملاعب والأندية والبنية التحتية الرياضية، إضافة إلى الكوادر البشرية من لاعبين ومدربين وإداريين.
واوضح أن هذه الحرب تعد من الأقسى في تاريخ قطاع غزة، إذ شهدت تدميرا شبه كامل للمنظومة الرياضية، حيث تضررت أكثر من 265 منشأة رياضية كليا أو جزئيا، واستشهد نحو ألف رياضي، بينهم 560 لاعبا ومدربا في كرة القدم.
وبحسب صيام، فإن ما تبقى من ملاعب ومنشآت في غزة لم تعد صالحة للاستخدام الرياضي، خصوصا أن معظمها تحول إلى مراكز لإيواء النازحين الذين فقدوا منازلهم، وهي بحاجة إلى إعادة بناء وترميم.
ملعب فلسطين.. من صرح رياضي إلى مركز إيواء
وفيما يتعلق بملعب فلسطين، بين صيام أنه كان أحد أهم المرافق الرياضية في القطاع، وتحول إلى مركز إيواء ضخم لعشرات الآلاف من النازحين، بعدما كان يحتضن بطولات الدوري والفئات العمرية والأنشطة الرسمية التي ينظمها الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم.
واضاف: "القصف الإسرائيلي طال أيضا المؤسسات الرياضية المركزية، مثل المجلس الأعلى للشباب والرياضة، واللجنة الأولمبية الفلسطينية، والاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، إلى جانب الأندية والصالات والأكاديميات الرياضية، لمحاولة لضرب البنية التحتية الرياضية بشكل كامل".
ويرى صيام أن الرياضة الفلسطينية لم تستهدف فقط بوصفها نشاطا تنافسيا، بل أيضا لأنها تمثل وسيلة لنقل القضية الفلسطينية إلى العالم، وهو ما يجعلها جزءا من الهوية الوطنية التي يحاول الاحتلال طمسها.
ذكريات رياضية تحولت إلى مأساة
من جانبه، يشعر صائب جندية، لاعب ومدرب المنتخب الفلسطيني السابق وعضو الدائرة الفنية في اتحاد الكرة، بالحسرة والألم على ما آل إليه حال ملعب فلسطين، الذي كان شاهدا على تألقه لسنوات طويلة مع فريقه السابق اتحاد الشجاعية والمنتخب الوطني.
ويشير جندية إلى أن ملعب فلسطين كان يحتضن تدريبات المنتخبات الوطنية والأندية، وشهد مباريات تاريخية أبرزها المواجهة الودية بين "الفدائي" والزمالك المصري عام 2000، ومباراة الشجاعية ضد الوحدات الأردني في بطولة أبطال الكؤوس الآسيوية بنفس العام، لكنه تحول اليوم إلى ساحة مكتظة بالخيام والنازحين.
اللافت أن جندية الذي لطالما تألق داخل ملعب فلسطين لاعبا، ثم برز مدربا، أصبح يرتاد الملعب اليوم لزيارة أقاربه الذين يسكنون جنبات الملعب، بعد اضطرارهم للنزوح من حي الشجاعية الذي يحتله الجيش الإسرائيلي حاليا، وقد دمره بالكامل.
ويقول جندية (50 عاما) إلى أن ذكرياته في ملعب فلسطين أكبر من أن تحصى، موضحا أنه أمضى أكثر من 35 عاما من عمره داخل ملاعب غزة، ولا سيما ملعبي فلسطين واليرموك، ويشعر بغصة كبيرة حينما يراها قد تحولت إلى أطلال وساحات مليئة بخيام النازحين.
ويؤكد نجم "الفدائي" السابق، والذي فقد بيته في حي الشجاعية ويعيش بدوره مرارة النزوح منذ أكثر من عامين، أن المنظومة الرياضية في غزة دمرت بشكل شبه كامل، مع فقدان معظم الملاعب والمنشآت واستشهاد المئات من الرياضيين.
إرادة الحياة رغم الدمار
ورغم كل الدمار الذي حل بالرياضة الفلسطينية في غزة، يبدي جندية تفاؤله بإمكانية عودة النشاط الرياضي في غزة، خصوصا مع محاولات اتحاد الكرة الفلسطيني تنظيم بعض البطولات والفعاليات على ما تبقى من ملاعب صغيرة نجت جزئيا من آلة الدمار الإسرائيلية.
ويختم جندية بالقول: "الشعب الفلسطيني معتاد على تحدي كل الظروف، فبعد الانتفاضة الأولى عام 1987 توقفت الرياضة في غزة لسنوات ثم عادت من جديد، وكذلك بعد الحروب الإسرائيلية اللاحقة أعوام 2008 و2012 و2014، ورغم فداحة الدمار هذه المرة، لكن العودة وإعادة بناء الملاعب من جديد ليس مستحيلا".
من مدرجات وهتافات إلى خيام ومعاناة
أمام إحدى الخيام المهترئة والتي نصبت فوق أرضية ملعب فلسطين، جلس محمد جندية مستذكرا السيناريو الذي لم يكن يتخيله يوما في أصعب كوابيسه، وهو العيش داخل الملعب الذي كان يزوره باستمرار مشجعا وفيا لنادي اتحاد الشجاعية.
يقول محمد: "كان المجيء إلى ملعب فلسطين بمثابة نزهة مليئة بالشغف والحماس خصوصا في مباريات فريق الحي (اتحاد الشجاعية)، لكنني أعيش منذ أشهر داخله في خيمة وأنتظر على أحر من الجمر لحظة مغادرته والعودة إلى مكان سكني رغم أنه دمر بالكامل.
ويروي محمد تفاصيل يوميات الوجع داخل الملعب الذي يتكدس داخله آلاف النازحين، مشيرا إلى أن همه الأكبر حاليا هو الحصول على بعض الماء والطعام لعائلته، بينما تتزاحم في ذاكرته لحظات الحماس وصوت هتافات الجماهير وركل الكرة، ثم سرعان ما يتبعها مشاهد الوجع، وأبرزها تلك التي قتل فيها جيش الاحتلال عشرات النازحين الذين بحثوا عن الأمان في الملعب، فوجدوا الموت بانتظارهم.
