مع اقتراب موعد الانتخابات في اسرائيل، تصاعدت حدة استطلاعات الراي، ولم تعد مجرد ارقام تسبق صناديق الاقتراع، بل اصبحت جزءا من المعركة السياسية نفسها، حيث تتنافس المؤسسات المختلفة لتقديم صورة للمشهد الاسرائيلي، وبين صحيفة اسرائيل اليوم مع مؤسسة كانتار، وصحيفة معاريف مع شركة لازار، والقناة 12 مع مؤسسة ميدغام، والقناة 14 مع مدير شركة شلومو فيلبر، وموقع زمان اسرائيل مع يوسي تاتيكا، تتشكل خرائط متعارضة للمشهد الاسرائيلي.
تبدا الفجوة من صورة المقاعد نفسها، ففي استطلاع معاريف المنشور، حصل الليكود على 25 مقعدا، وحزب بينيت على 24، وحزب يشار بقيادة غادي ايزنكوت على 12، فيما بلغت كتلة معارضي رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو 61 مقعدا من دون الاحزاب العربية الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والقائمة العربية للتغيير، والقائمة الموحدة، مقابل 49 فقط للائتلاف.
وفي هذا الاستطلاع ايضا حصلت احزاب شاس واسرائيل بيتنا والديمقراطيون على 9 مقاعد لكل واحد منها، وحزب عوتسما يهوديت على 8، ويش عتيد على 7، ويهدوت هتوراة على 7، وحداش تعال على 5، وراعام على 5.
تحليل متباين لاستطلاعات الراي
وارقام معاريف لا تقول فقط ان الائتلاف الحالي يتراجع، بل تقول ان الليكود نفسه بقي بعيدا عن استعادة زخمه، اذ كان عند 27 مقعدا مع بداية الحرب ثم استقر عند 25 للاسبوع الثالث تواليا.
لكن الصورة مختلفة في استطلاع القناة 12 المنشور، حيث يحصل الليكود على 25 مقعدا ايضا، غير ان حزب بينيت يهبط الى 20، بينما يرتفع حزب يشار بقيادة ايزنكوت الى 14، ويحصل الديمقراطيون على 10، وعوتسما يهوديت على 10، وشاس على 9، واسرائيل بيتنا على 9.
فيما يحصل يهدوت هتوراة على 7، ويش عتيد على 6، والقائمة الموحدة العربية على 5، والجبهة العربية على 5، اما الاحزاب التي تبقى تحت نسبة الحسم فهي الصهيونية الدينية وازرق ابيض، والتجمع الوطني الديمقراطي، والاحتياطيون.
واما على مستوى الكتل فتحصل المعارضة على 69 مقعدا اذا احتسبت الاحزاب العربية، لكنها تبقى عند 59 فقط من دونها، مقابل 51 للائتلاف، وهذا هو الفارق الاهم في هذا الاستطلاع، فالمعارضة اكبر عددا، لكنها لا تحسم الحكم من دون الاحزاب العربية التي اعلنت احزاب من المعارضة رفضها تكوين حكومة مستقبلية معها.
وفي موقع زمان اسرائيل المنشور، انتقل التركيز الى سيناريو الاندماج، فالتحالف الثلاثي بين نفتالي بينيت وغادي ايزنكوت ويائير لبيد يحصل على 38 مقعدا، لكنه لا يغير جوهريا صورة الكتل، اذ يبقى خصوم نتنياهو عند 56 مقعدا من دون الاحزاب العربية، بينما يقف الائتلاف عند 50-51 مقعدا، مما يعني ان الاندماج ينتج عنه الحزب الاكبر في المعارضة، لكنه لا ينتج وحده اكثرية تتمكن من اقامة ائتلاف حاكم.
تباين وجهات النظر في استطلاعات الراي
واما القناة 14 في استطلاعها المنشور، فتمنح الليكود 35 مقعدا، وتجعل معسكر اليمين عند 65 مقعدا، مقابل 43 لكتلة اليسار و12 للاحزاب العربية، وفي هذا الاستطلاع يحصل ايزنكوت على 13، والقائمة المشتركة على 12، وبينيت على 11، وشاس على 11، والديمقراطيون على 10، واسرائيل بيتنا على 9، بينما يحصل يهدوت هتوراة على 8، وعوتسما يهوديت على 7، والصهيونية الدينية على 4، بينما يفشل يش عتيد، وازرق ابيض من تجاوز العتبة الانتخابية، وهذه الارقام تمنح صورة اكثر راحة لنتنياهو واليمين من كل الاستطلاعات الاخرى تقريبا.
هذا التفاوت لا يفسره مزاج الناخبين وحده، فلكل منصة خلفيتها، ولكل استطلاع جهة تنفيذه، وكلاهما يؤثر في صورة النتائج، فصحيفة اسرائيل اليوم معروفة بخلفيتها اليمينية وبقربها الممتد من نتنياهو ومعسكره، بينما تعد القناة 14 الاكثر قربا الى جمهور اليمين وخطابه السياسي.
وفي المقابل تبدو صحيفة معاريف اقرب الى الصحافة الوسطية التقليدية، فيما يقدم موقع زمان اسرائيل نفسه بوصفه منصة ليبرالية مؤسساتية اقرب الى فضاء نقد لنتنياهو، وتبقى القناة 12 جزءا من التيار التلفزيوني الاسرائيلي الاوسع، لا من الاعلام الحزبي الصريح.
تاثير وسائل الاعلام علي نتائج الاستطلاعات
ولا تنفصل نتائج الاستطلاعات عن هوية الجهات المنفذة نفسها، فاذا كان اسم شلومو فيلبر في استطلاعات القناة 14 يقرا داخل اسرائيل من خلال خلفيته السياسية السابقة بوصفه شخصية ارتبطت بدائرة نتنياهو قبل ان يتحول لاحقا الى شاهد دولة، فان بقية الجهات تبدو اقل التصاقا علنيا بشخصية سياسية واحدة، لكنها ليست خارج السياق السياسي تماما.
في حين ان شركة ميدغام التي تنفذ استطلاعات القناة 12 تقدم نفسها مؤسسة بحثية راسخة يقودها مانو غيفاع المختص بالاحصاء وعلوم السياسة ورئيس اتحاد معاهد الابحاث في اسرائيل سابقا، وهو ما يمنحها صورة اقرب الى المؤسسة المهنية التقليدية، اما شركة كانتار اسرائيل التي تعتمد عليها صحيفة اسرائيل اليوم فتعرف نفسها بوصفها واحدة من اقدم شركات البيانات والابحاث في السوق الاسرائيلية منذ نحو اربعة عقود، اي بوصفها جهة قياس تجارية مؤسسية اكثر منها فاعلا سياسيا مباشرا.
ويظهر هذا بوضوح حين نقارن نتائج صحيفة اسرائيل اليوم بما سبق، فالصحيفة ذات الخلفية اليمينية الواضحة عرضت في استطلاعها الاخير ان الليكود تراجع من 28 الى 26 مقعدا، وان الائتلاف هبط من 53 الى 52، فيما بقيت احزاب شاس عند 9 ويهدوت هتوراة عند 7 وارتفع عوتسما يهوديت الى 10، بينما بقيت الصهيونية الدينية عند 2.5% دون العتبة الانتخابية.
وفي المقابل تصل المعارضة الى 68 مقعدا، لكنها لا تتجاوز 57 من دون الاحزاب العربية، وهذه النتائج اقل اندفاعا من القناة 14، لكنها تبقى اكثر راحة لليمين من معاريف، وهنا تظهر الاستطلاعات انه لا يوجد وجه واحد لاسرائيل، انما اكثر من وجه، تختلف باختلاف الشاشة والجهة المنفذة.
القيادة والبدائل المطروحة
وعندما يطرح سؤال القيادة تظهر المعضلة بوضوح اكبر، ففي معاريف يتقدم نتنياهو على نفتالي بينيت بنسبة 43% مقابل 41%، وعلى ايزنكوت 45% مقابل 38%، وفي القناة 12 يتفوق نتنياهو على يائير لابيد ب42% مقابل 27%، وعلى بينيت ب41% مقابل 34%، وعلى ايزنكوت ب42% مقابل 36%، وعلى افيغدور ليبرمان ب42% مقابل 24%.
واما القناة 14 فتمنحه 52% في سؤال الملاءمة لرئاسة الوزراء مقابل 21% لايزنكوت و18% لبينيت و5% لليبرمان و3% للابيد و1% فقط لغانتس، وتكشف هذه الارقام ان معسكر نتنياهو قد يضعف حزبيا، لكن نتنياهو نفسه ما يزال الاقوى في صورة القيادة.
وفي الجهة المقابلة يصعد ايزنكوت بصورة متواصلة، ففي استطلاع معاريف يقف عند 12 مقعدا، وفي القناة 12 يرتفع الى 14، وفي اسرائيل اليوم ايضا يصعد من 12 الى 14، بينما تكشف نتائج استطلاع الصحيفة عن تقلص الفارق بينه وبين بينيت، وفي المقابل يتراجع لابيد الى 6 مقاعد في القناة 12، ويفشل في القناة 14 في تجاوز نسبة الحسم، فيما يصبح وجوده في استطلاع موقع زمان اسرائيل مفيدا فقط من داخل تحالف ثلاثي لا بصفته قوة مستقلة، وتبدو المعارضة بحسب الاستطلاعات كانها تبحث عن قائدها بقدر ما تبحث عن اكثرية لتحكم.
الامن والاقتصاد في صدارة اهتمامات الناخبين
وتكشف الاستطلاعات ايضا ان المزاج الاسرائيلي ما يزال ميالا الى اليمين الامني، ففي معاريف قال 62% ان اسرائيل ستعود الى القتال ضد ايران قريبا، مقابل 42% فقط قالوا انها لن تعود، و14% لم يحددوا موقفهم، وفي القناة 12 عارض 51% وقف اطلاق النار مع حزب الله اثناء المفاوضات مع لبنان، مقابل 29% فقط ايدوه، بينما بلغت المعارضة داخل جمهور الائتلاف 64% مقابل 18% فقط مع وقف النار.
واما القناة 14 فذهبت ابعد، اذ اظهرت ان 78% يعارضون وقف اطلاق النار في لبنان قبل نزع سلاح حزب الله، و86% يؤيدون بقاء اسرائيل في منطقة امنية داخل لبنان حتى يتم نزع سلاحه بالكامل.
