أيمن مهيرات يكتب:
لم تعد المنافسة الرياضية في بعض تجلياتها اليوم محصورة داخل حدود الملعب ولا مقتصرة على شغف الجماهير وتشجيع الفرق بل أخذت منحى مقلقا يتجاوز الرياضة إلى ما هو أخطر
فما نشهده من حملات شيطنة ممنهجة ضد جمهور النادي الفيصلي ومحاولات استهداف واضحة لنادي الحسين إربد لم يعد مجرد تنافس شريف بل بات أقرب إلى استدراج مدروس نحو الفتنة والانقسام
المشهد لم يعد بريئا كما يبدو فهناك من يعمل في الخفاء على توجيه العواطف الجياشة مستغلا حب الجماهير لأنديتها ليحول هذا الشغف إلى أداة صراع
وهنا تتحول المدرجات ومنصات التواصل الاجتماعي من مساحات للفرح والتشجيع إلى ساحات مشحونة بالسباب والتجريح تبث فيها رسائل الكراهية بدل روح الرياضة
الأخطر من ذلك أن هذا المسار لا يقف عند حدود التعصب الرياضي بل يسعى إلى إعادة تشكيل بوصلة الانتماء وتحويلها من وطن يجمعنا إلى تصنيفات ضيقة ابن الشمال وابن الجنوب بدوي وفلاح...شرقي وغربي....اصلي وصيني...الخ
وهي مفردات لم تطرح يوما لتكون تعريفا بقدر ما تستغل اليوم كأدوات لزرع الشقاق وكسر وحدة طالما كانت عنوان قوة المجتمع الأردني
الأردن الذي ظل عبر تاريخه نموذجا في التماسك والوعي لم يكن يوما إلا بيتا واحدا يجمع أبناءه على اختلاف مناطقهم وأصولهم
وقد أثبت الأردنيون في مختلف المحطات أنهم صف واحد يقفون كتفا إلى كتف في وجه التحديات وسيبقى كذلك عصيا على كل محاولات الاختراق وشوكة في حلق كل من لا يروق له أمنه واستقراره
غير أن الفتنة تبدأ بكلمة وتنمو بصمت ثم تشتعل حين تجد من يغذيها أو يبررها
وهنا تبرز المسؤولية الفردية والجماعية إذ لا يجوز الانجرار خلف خطاب الكراهية أو الوقوع في فخ الاستفزاز مهما كانت الدوافع
وقد وضع لنا الهدي النبوي ميزانا واضحا في مثل هذه المواقف حين قال رسول الله ﷺ
ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء
وقال أيضا المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده
بل وحذر من دعوات الفرقة بقوله دعوها فإنها منتنة
إن استحضار هذه القيم اليوم ليس ترفا بل ضرورة وطنية وأخلاقية تفرض علينا أن نعيد ضبط البوصلة وأن نحكم العقل قبل العاطفة وأن نزن كلماتنا قبل إطلاقها
فأي انتماء هذا الذي يبنى على الإساءة وأي نصرة تلك التي تمر عبر بوابة الفتنة
إن الجماهير الأردنية من الشمال إلى الجنوب ومن البادية إلى القرى والمدن تدرك اليوم خطورة هذا المسار وترفض أن تكون أداة في يد من يسعى إلى زعزعة الاستقرار أو تمزيق النسيج الوطني
فالاختلاف في التشجيع لا يفسد للود قضية والانتماء الرياضي يجب أن يبقى في إطاره الطبيعي لا أن يتحول إلى معول هدم
في المحصلة تبقى المسؤولية مشتركة إعلاما وجماهير ونخبا في ترسيخ ثقافة الوعي وحماية الفضاء الرياضي من الانزلاق نحو ما لا يحمد عقباه
فلنحفظ ألسنتنا ولنحرس وحدتنا ولنجعل من الرياضة مساحة تجمعنا لا تفرقنا
فالوطن لا يحمى بالصراخ بل بالوعي
والله من وراء القصد
