كشفت تقارير حديثة عن تحول لافت في ملف الطاقة السوري، حيث باتت روسيا المورد الرئيسي للنفط الخام إلى سوريا، متجاوزة بذلك حقبة الاعتماد على إيران. وأظهرت بيانات تتبع السفن وحركة الملاحة البحرية أن شحنات النفط الروسية المتجهة إلى الموانئ السورية سجلت قفزة ملحوظة وصلت إلى نحو ستين الف برميل يوميا خلال العام الحالي. وبينت المؤشرات أن هذا الاعتماد ياتي في وقت تحاول فيه الحكومة السورية تعزيز علاقاتها مع الغرب، رغم انعدام الثقة الشعبي والسياسي في الدور الروسي الذي ارتبط طويلا بدعم النظام السابق.
واوضحت المعطيات ان الكميات الموردة من موسكو اصبحت تغطي فجوة كبيرة في الطلب المحلي الذي يعجز الإنتاج الوطني عن تلبيته، خاصة مع تراجع مستويات الاستخراج من الحقول السورية مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات طويلة من الصراع. واكدت مصادر مطلعة ان دمشق تجد نفسها مضطرة للتعاون مع الشبكات المرتبطة بروسيا، نظرا لضعف اندماج الاقتصاد السوري في النظام المالي العالمي ومحدودية الخيارات المتاحة امامها لتامين احتياجاتها من الطاقة.
واضافت المصادر ان هذا الوضع يعكس ضرورة اقتصادية ملحة، حيث تمنح تجارة النفط موسكو نفوذا مستمرا داخل سوريا، مستغلة وجود قواعد عسكرية روسية على الاراضي السورية. وشدد مراقبون على ان هذا الارتباط يضع دمشق في موقف دقيق امام العواصم الغربية التي تراقب عن كثب هذه التبادلات التجارية، خاصة في ظل استمرار العقوبات الدولية على العديد من السفن والشركات المتورطة في نقل هذه الشحنات.
تحديات الطاقة والمخاطر السياسية
وبين خبراء اقتصاديون ان الاعتماد على النفط الروسي قد يعرض قطاع الطاقة السوري لمخاطر تجدد العقوبات الغربية، لا سيما اذا فشلت التسويات السياسية الدولية بشان ملفات النزاع الكبرى. واشار اقتصاديون إلى ان الحكومة السورية تدرك حجم هذه المخاطر وتسعى جاهدة لتنويع مورديها، الا ان المحاولات لفتح قنوات تجارية جديدة مع دول اقليمية لم تحقق النتائج المرجوة حتى الان بسبب القيود المالية والتعقيدات اللوجستية.
واكد مسؤولون في قطاع النفط السوري ان ضعف القدرة الشرائية ومحدودية حجم السوق يفرضان قيودا قاسية على التعاقد مع منتجين اخرين، مثل دول الخليج، مما يجعل الخيار الروسي هو الاكثر جدوى في ظل الظروف الراهنة. واوضحت تحليلات بحرية ان شبكات الشحن المرتبطة بروسيا توفر تسهيلات لا تتوفر لدى مشغلي ناقلات النفط التقليديين الذين يخشون التبعات القانونية والسمعة التجارية.
واضافت التقارير ان السلطات السورية تتعمد عدم الكشف عن مصدر شحنات النفط في بياناتها الرسمية، في محاولة لتفادي الغضب الشعبي المرتبط بالدور العسكري الروسي السابق. وبينت الوقائع ان دمشق تحاول الموازنة بين حاجتها الماسة للوقود وبين رغبتها في بناء مصداقية دولية جديدة، وهو تحد يراه المحللون صعب التحقيق على المدى القريب في ظل استمرار الاعتماد على موارد الطاقة الروسية.
مستقبل العلاقات السورية الروسية في قطاع الوقود
واشار مسؤولون الى ان ملف القاعدتين العسكريتين الروسيتين يظل حاضرا بقوة في النقاشات الدبلوماسية بين دمشق والعواصم الغربية، حيث تتزايد المطالب بضرورة فك الارتباط الاستراتيجي مع موسكو. واوضح مراقبون ان واشنطن قد تضغط مستقبلا لطلب وقف هذه الشحنات بشكل مفاجئ، مما يضع دمشق امام مأزق توفير بدائل سريعة لسد العجز اليومي الذي يتراوح بين مئة وعشرين ومئة وخمسين الف برميل.
واكدت بيانات شركة كبلر ان روسيا اصبحت اللاعب الاهم في تزويد سوريا بالنفط بعد سقوط النظام السابق، حيث استبدلت موسكو طهران التي كانت المزود الوحيد طوال سنوات الحرب. واظهرت الحسابات ان السفن الروسية التي تصل بانتظام للموانئ السورية تخضع في مجملها لعقوبات غربية، مما يفاقم من تعقيدات المشهد الاقتصادي السوري.
وختمت التقارير بان الاقتصاد السوري لا يزال يواجه تحديات بنيوية كبيرة، حيث ان الانتاج المحلي لا يغطي سوى جزء بسيط من الحاجة، مما يجعل البلاد رهينة لتقلبات الاسعار والتحالفات السياسية في سوق الطاقة العالمي. واكد خبراء ان الانتقال نحو سلاسل توريد دولية تقليدية سيظل هدفا بعيد المنال ما لم تتحسن الظروف المالية والسياسية للبلاد بشكل جذري.
