في قلب قطاع غزة الذي يئن تحت وطاة الدمار والخراب يبرز الفن التشكيلي كرسالة صمود ونافذة تطل على الحياة وسط بحر من الالم. كشفت معارض فنية حديثة اقيمت في مخيمات النزوح عن قدرة المبدعين الفلسطينيين على استنطاق الركام ورسم ملامح النجاة من بين انقاض المنازل المدمرة. واظهرت تلك الاعمال ان الريشة والالوان لم تكن يوما مجرد ادوات ترفيه بل تحولت الى سلاح لمقاومة الياس واثبات الوجود في وجه محاولات طمس الهوية والحياة.
واكد الفنان التشكيلي غانم الدن ان معرض ما تركته النجاة الذي يحتضنه مرسمه في مخيم البريج يمثل صرخة فنية تعلن ان غزة لا تزال تتنفس رغم كل ما يحاك ضدها. واوضح الدن ان المعرض جاء كثمرة ورشة عمل جماعية شارك فيها عشرات الشباب الذين اصروا على الابداع رغم شح الامكانيات وانقطاع سبل العيش. وبين ان اللوحات المعلقة على الجدران الصامدة تروي قصصا حقيقية عن الفقد والصمود وتفتح افاقا جديدة نحو الحرية.
واضاف منسق الورشة احمد العصار ان هذا النشاط الفني يعد شهادة حية على رفض الاستسلام مشيرا الى ان كل لوحة معروضة تمثل مقاومة بحد ذاتها وتوثق لحظة ولادة جديدة لكل ناج من ويلات الحرب. واشار الى ان الاعمال التي تجاوزت مئة وخمسين لوحة تعكس فيض الامل الذي يسكن صدور الشباب رغم مرارة النزوح والجوع.
ارادة تتجاوز حدود الحصار
وبينت الفنانة العشرينية سيرين سمرة ان تجربتها الفنية كانت بمثابة متنفس لتفريغ طاقة الحزن والالم التي خلفتها الحرب بعد فقدانها لخطيبها. واوضحت سمرة انها استخدمت الالوان للتعبير عن ثقل الانتظار ومشاعر الفقد التي تعيشها نساء غزة اللواتي فقدن كل ما يملكن في لحظات خاطفة. واكدت ان الفن منحها القوة للاستمرار في الحياة والسير بثبات نحو تحقيق احلام كانت يوما ما مشتركة.
وشددت الفنانة عائدة درويش على ان مشاركتها في المعرض هي رسالة للعالم بانها انسانة تستحق الحياة وتحمل في داخلها الكثير من الاحلام التي لم تقتلها المدافع. واوضحت ان اعمالها الفنية تجسد عجز المجتمع الدولي عن وقف حرب الابادة التي تلتهم الاخضر واليابس في القطاع. واضافت ان الفن يظل الصوت الاعلى الذي لا يمكن اسكاته مهما بلغت قسوة الظروف.
وذكر الفنان البصري نافذ الازعر ان الحرب لم تكتف بسرقة المنازل بل التهمت مئات الاعمال الفنية التي دفنت تحت الانقاض. واوضح الازعر ان مشاركته تهدف الى نقل يوميات الحرب القاسية وتوثيق اثارها النفسية والبيئية على الانسان الفلسطيني. واكد ان كل لوحة هي محاولة لاستعادة جزء من التاريخ الذي تحاول الة الحرب محوه بالكامل.
براءة في مواجهة القسوة
وكشفت الفنانة الشابة بيسان العمصي ان تجربة النزوح غيرت نظرتها للفن وطريقته في الرسم حيث باتت الالوان والخطوط تعكس مشاهد القتل والدمار التي شهدتها. واوضحت العمصي ان لوحتها التي تحمل عنوان شظايا تجسد التجربة البشعة التي عاشتها مع اسرتها منذ لحظة خروجهم من منزلهم المدمر. واضافت ان الورشة الفنية قدمت لها دعما معنويا كبيرا ساعدها على صقل مهاراتها في ظل هذا الواقع المر.
واكد الفنان حسام ابو مخدة ان اعماله الفنية التي تحمل عناوين مثل فقدان الروح والمنفيون تحاول تخليد ذكرى الشهداء الذين سقطوا دون ان يسمع بهم احد. وبين ابو مخدة ان عمله كممرض جعله شاهدا على مآسي الحرب وهو ما دفعه لنقل هذه المشاهد الى الورق باستخدام الفحم. واشار الى ان الفن هو وسيلة لتوثيق الوجع الذي يعيشه المنسيون في خيام النزوح.
وختمت الطفلة تولين ابو جبارة المشهد بلوحتها المعبرة التي تحمل عنوان انا والالوان لتؤكد ان براءة الاطفال في غزة لا تزال تبحث عن الورد والفراشات وسط الرماد. واوضحت تولين بكلمات بسيطة انها تحب الحياة وتريد ان ترسم مستقبلا افضل بعيدا عن اصوات القصف. وتظل هذه الاعمال الفنية شاهدا حيا على ان ارادة الحياة في غزة اقوى من اي تدمير.
