في احياء عدة من العاصمة عمان، لم تعد ظاهرة “السكن المشترك” بين الشبان والفتيات مجرد قصص هامسة تتداول خلف الابواب المغلقة، بل تحولت الى واقع يتوسع بهدوء وسط ضغوط اقتصادية خانقة وصمت اجتماعي لافت. ما كان حتى سنوات قليلة يعد من “المحرمات” في المجتمع الاردني، بات اليوم خيارا يفرض نفسه على عدد متزايد من الشباب الباحثين عن الاستقلال وتخفيف كلف الحياة المرتفعة.
ومع تضخم الايجارات وارتفاع اسعار المعيشة بشكل غير مسبوق، وجد كثير من الشباب ان تقاسم الشقق والفواتير لم يعد رفاهية او تمردا اجتماعيا فقط، بل حلا اضطراريا للبقاء. وبينما يصر المجتمع على رفض الفكرة علنا، تتسع الظاهرة فعليا في عدد من مناطق عمان، خصوصا في الاحياء القريبة من الجامعات والمناطق ذات الطابع الاكثر انفتاحا، وفق تقرير اندبندنت عربية.
شقق مختلطة خلف الابواب المغلقة
في عمارة عادية بمنطقة الجبيهة، يعيش شابان وفتاتان داخل شقة واحدة مكونة من ثلاث غرف. جميعهم موظفون وخريجو جامعات، يتقاسمون الايجار وفواتير الكهرباء والمياه والانترنت، ويتعاملون مع تفاصيل الحياة اليومية بشكل طبيعي.
الجيران يدركون طبيعة السكن، ومالك البناية يعلم تماما ما يجري، لكن الاعتراض يبقى في دائرة التذمر الصامت. هذا المشهد لم يعد استثنائيا في بعض مناطق عمان، بل اصبح يتكرر باشكال مختلفة وسط تجاهل اجتماعي واعلامي واضح.
ويرى مراقبون ان المجتمع يعيش حالة تناقض واضحة، فهو يرفض الظاهرة نظريا ويصنفها ضمن “العيب”، لكنه في الوقت ذاته يتكيف معها على ارض الواقع بسبب الازمة الاقتصادية الخانقة وعدم وجود حلول حقيقية لازمة السكن والزواج.
الغلاء يغير شكل الحياة في عمان
خلال الاعوام الاخيرة، شهدت عمان ارتفاعا كبيرا في اسعار الايجارات، خاصة في المناطق الحيوية مثل الجبيهة وام السماق واللويبدة وجبل عمان. وبات استئجار شقة صغيرة يتطلب مبلغا يقترب من معظم راتب الموظف المبتدئ، الامر الذي دفع كثيرين الى البحث عن “شريك سكن” لتقاسم النفقات.
وتشير تقديرات متداولة الى ان ايجار شقة صغيرة بغرفة واحدة في بعض مناطق العاصمة قد يصل الى نحو 500 دولار شهريا، بينما لا يتجاوز متوسط راتب الموظف الجديد نحو 600 دولار، ما يجعل فكرة السكن الفردي شبه مستحيلة بالنسبة لكثير من الشباب.
بعض الشباب الذين يعيشون تجربة السكن المشترك يؤكدون ان الدافع اقتصادي بالدرجة الاولى، مشيرين الى ان الظروف المعيشية اجبرتهم على تجاوز كثير من القيود الاجتماعية، بينما يرى اخرون ان الامر يمثل ايضا محاولة للتمرد على نمط الحياة التقليدي والوصاية الاسرية.
“جيل Z” يدخل على الخط
الظاهرة ترتبط بشكل واضح بجيل الشباب الذي نشا مع الانترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو الجيل المعروف باسم “جيل Z”. هذا الجيل يرى في الاستقلال السكني شكلا من اشكال الحرية الشخصية، ويرفض فكرة ربط الاستقلال بالزواج فقط.
وتظهر هذه التحولات بوضوح عبر منصات مثل Reddit ومجموعات Facebook الخاصة بالسكن الطلابي، حيث تنتشر اعلانات البحث عن “زميل سكن” او “شقة مشتركة” باستخدام مصطلحات اكثر تحفظا مثل “بيئة مختلطة” و”اشخاص منفتحين ذهنيا”.
كما اصبحت مناطق مثل اللويبدة وجبل عمان والشميساني تستقطب هذا النمط من السكن، خصوصا بين العاملين في الشركات التقنية والمنظمات الدولية والطلاب القادمين من محافظات اخرى او من خارج الاردن.
ضغط مضاعف على الفتيات
رغم انتشار الظاهرة نسبيا، تبقى الفتيات الاكثر تعرضا للضغوط الاجتماعية. ففكرة “الفتاة التي تسكن وحدها” ما تزال تصطدم بعقلية محافظة تربط الامر بالشرف والسمعة العائلية.
وتقول بعض الفتيات اللواتي خضن التجربة ان السكن الجماعي لا يعني دائما البحث عن الحرية، بل قد يكون وسيلة للشعور بالامان وتقاسم الاعباء المالية، خصوصا مع صعوبة تحمل تكاليف المعيشة وحدهن.
لكن في المقابل، يبقى الخوف من اكتشاف العائلة او التعرض للاستغلال والتحرش حاضرا بقوة، ما يجعل كثيرات يعشن حالة توتر دائمة داخل هذه “المنطقة الرمادية” اجتماعيا.
ماذا يقول القانون؟
قانونيا، لا يوجد نص صريح في الاردن يجرم السكن المشترك بين بالغين خارج اطار الزواج، طالما بقي الامر ضمن نطاق الخصوصية ولم يرتبط بجرائم اخرى.
لكن بعض المحامين يؤكدون ان الشكاوى المقدمة من الجيران او الحديث عن “ممارسات مخلة بالاداب العامة” قد تفتح الباب امام تدخل قانوني، ما يجعل هذه الشقق تحت رحمة “القبول الشعبي” في المنطقة.
كما يرى مختصون ان بعض مواد قانون الجرائم الالكترونية قد تستخدم ضد الترويج لما يسمى “المساكنة” عبر مواقع التواصل الاجتماعي اذا اعتبر المحتوى مخالفا للاداب العامة او مشجعا على العلاقات غير الشرعية.
ارقام تكشف حجم التحول
البيانات الحديثة تعكس حجم الضغوط التي يعيشها الشباب في الاردن. فقد ارتفع متوسط عمر الزواج الى نحو 32.5 سنة للذكور و27.5 سنة للاناث، فيما بلغت البطالة مستويات مرتفعة وصلت الى 21 بالمئة خلال عام 2024.
كما تشير تقديرات رسمية الى ان قرابة نصف الشباب الاردني يفكرون بالهجرة، في وقت تتزايد فيه كلف السكن والزواج والمعيشة بشكل مستمر.
ويرى باحثون اجتماعيون ان ظاهرة السكن المشترك ليست مجرد قضية اخلاقية او اجتماعية، بل نتيجة مباشرة لازمة اقتصادية عميقة يعيشها جيل كامل، وسط فجوة متزايدة بين الدخل الحقيقي ومتطلبات الحياة.
بين “التمرد” و”الضرورة”
في الوقت الذي يعتبر فيه التيار المحافظ هذه الشقق “قنابل اجتماعية موقوتة” تهدد القيم التقليدية، يرى اخرون ان تجاهل الاسباب الاقتصادية الحقيقية لن يوقف الظاهرة، بل سيدفعها الى مزيد من التوسع في الخفاء.
ومع استمرار ارتفاع الاسعار وتاخر سن الزواج وتراجع القدرة الشرائية، يبدو ان “السكن المشترك” لم يعد مجرد ظاهرة هامشية في عمان، بل تحول الى عنوان جديد لازمة اقتصادية واجتماعية تتغير ملامحها بصمت خلف الابواب المغلقة.
