العودة لنسخة الموبايل
النسخة الكاملة

حين يتحوّل الإنسان إلى محتوى

حين يتحوّل الإنسان إلى محتوى

 

بقلم: عمر الدريني 
 

كيف أعادت وسائل التواصل تشكيل السلوك الإنساني تحت ضغط الربح والانتباه 
لم يعد الإنسان يتصرف فقط بوصفه إنسانًا.
بل بوصفه “محتوى محتملًا”.
يختار كلماته وهو يفكر: هل ستُتداول؟
يختار مظهره وهو يفكر: هل سيُعجب؟
يختار لحظاته وهو يفكر: هل ستُشاهَد؟
ويختار أحيانًا ردود أفعاله، بناءً على ما قد تفعله في العالم الرقمي.
وهكذا، شيئًا فشيئًا، لم يعد السلوك يُقاس بصدقه، بل بقابليته للانتشار.
في الماضي، كان الهدف من الفعل بسيطًا: أن يُعاش.
أما اليوم، فقد أصبح الفعل غالبًا ذا طبقتين: طبقة تُعاش، وطبقة تُنشر.
والطبقة الثانية بدأت تفرض شروطها على الأولى دون أن يُلاحظ ذلك بوضوح.
قال الله تعالى:﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ 
وفي هذا المعنى إشارة إلى انجذاب الإنسان لما هو سريع الظهور، سريع الأثر، سريع المكافأة، حتى لو كان ذلك على حساب العمق والاستمرارية.
في اقتصاد وسائل التواصل الاجتماعي، الانتباه هو العملة.
كل ثانية مشاهدة تُحسب.
كل تفاعل يُسجَّل.
كل انتشار يُترجم إلى قيمة.
وهكذا يتحول الإنسان، دون وعي كامل، إلى جزء من منظومة إنتاج مستمرة للمحتوى.
قال النبي ﷺ:«إنما الأعمال بالنيات» 
لكن في عالم المنصات، لا تُقرأ النية دائمًا، بل يُقرأ الأثر الظاهر.
وهنا ينشأ الانفصال بين الداخل والخارج.
في السابق، كان الإنسان يفعل لأن لديه حاجة، أو قيمة، أو قناعة.
أما اليوم، فقد أصبح جزء من الأفعال يُعاد تشكيله وفق سؤال جديد: هل هذا قابل للمشاركة؟
هذا التحول يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه عميق في أثره.
فهو لا يغير ما نفعله فقط، بل يغير لماذا نفعله.
في العلاقات الإنسانية، في السلوك اليومي، في القرارات الصغيرة والكبيرة، يظهر هذا التحول تدريجيًا:
موقف يُصاغ ليبدو مناسبًا للنشر.
لحظة تُختار لتكون “صورة”.
رأي يُصاغ بلغة قابلة للانتشار.
تجربة تُعاد هندستها لتصبح قصة.
قال أحد الحكماء:“حين تعيش لتُرى، تبدأ بفقدان جزء من صدقك دون أن تشعر.” 
وهذا الفقدان لا يحدث فجأة، بل عبر تراكمات صغيرة غير ملحوظة.
ومع الوقت، يصبح الإنسان نفسه واعيًا لهذا النظام: يراقب ما ينجح.
ويكرر ما ينتشر.
ويحذف ما لا يلقى تفاعلًا.
حتى دون قصد، يبدأ في تدريب نفسه على ما “يُكافَأ” رقميًا.
وهنا يظهر جانب آخر أكثر تعقيدًا: تحول الهدف من الفعل.
لم يعد الهدف فقط تحقيق معنى داخلي، بل أيضًا تحقيق قيمة خارجية قابلة للقياس.
مشاهدة.
إعجاب.
مشاركة.
ربح.
قال الله تعالى:﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ 
وفي هذا المعنى تذكير بأن السعي المادي موجود، لكن المشكلة حين يصبح وحده معيار القيمة.
في اقتصاد الانتباه، لا يكفي أن يكون المحتوى صادقًا، بل يجب أن يكون جذابًا.
ولا يكفي أن يكون عميقًا، بل يجب أن يكون سريع الاستهلاك.
وهكذا يتعرض العمق لضغط مستمر لصالح الانتشار.
ومع هذا الضغط، يبدأ نوع من “إعادة تشكيل الذات”:
تضخيم بعض الجوانب.
إخفاء جوانب أخرى.
اختيار لحظات بعناية.
وبناء صورة متماسكة ليست بالضرورة مطابقة للحقيقة الكاملة.
قال النبي ﷺ:«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» 
لكن في هذا العصر، أصبح الإنسان منشغلًا بما “يُعرض عنه”، لا فقط بما يعنيه.
وفي النهاية، لا يبدو أن المشكلة في النشر نفسه.
بل في اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان في تعديل حياته لتناسب منطق النشر.
حين تصبح الحياة مشروعًا دائمًا للتحسين البصري، لا للتجربة الصادقة.
فحين يتحول الإنسان إلى محتوى، يبدأ جزء من إنسانيته في التحول إلى عرض مستمر.

استراتيجيات سعودية متطورة لضمان امن وسلامة ضيوف الرحمن خلال موسم الحج مخططات تهويد القدس، الاحتلال يطلق مشاريع استيطانية جديدة لتغيير معالم المدينة ازمة دبلوماسية في زغرب بسبب رفض الرئيس الكرواتي اعتماد سفير اسرائيلي جديد ازمة تمويل خانقة تلاحق مفوضية اللاجئين وتجبرها على تقليص كوادرها انخفاض على الحرارة وأجواء مغبرة اليوم.. وأمطار خفيفة متوقعة الخميس وفيات يوم الثلاثاء 19-5-2026 في الأردن تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر واسبانيا في زيارة دبلوماسية رفيعة المستوى الصبيحي: ضعف الأجور يضغط على ملاءة الضمان و400 ألف مشترك على الحد الأدنى ازمة مضيق هرمز تفرض تحولا استراتيجيا في امدادات الوقود الاسترالية الدويري لـ"صوت عمان": الحوكمة الفاعلة والتكامل المؤسسي أساس نجاح إدارة الأزمات المينائية رزان محمد صياح المراعيه في ذمة الله حين يتحوّل الإنسان إلى محتوى تطورات قضائية مفاجئة في ليبيا بشان رموز نظام القذافي والسنوسي اطفال غزة يسطرون ملاحم الامل عبر حفظ القران الكريم جامعة تقرر عطلة اليوم الثلاثاء ودوام عن بعد الأحد القادم زيادة الرواتب.. شعبوية أم مشروعة؟ تحذير من انفجار معيشي في الأردن.. أبو طير يفتح أخطر 3 ملفات مداهمات ليلية في سلواد تنتهي باعتقال طفل فلسطيني أسعار الخضار والفواكه اليوم في سوق عمان المركزي