في مشهد يتكرر، وجد الفلسطيني عمر حمايل نفسه وجها لوجه أمام حشود المستوطنين في قريته دير أبو فلاح، شمال شرق رام الله بالضفة الغربية، حيث لم يكن هذا الاعتداء الأول، لكنه كان الأشرس، على حد وصفه، فقد أكد حمايل للجزيرة نت أنه لولا تصدي الأهالي، لوقعت مجزرة في القرية.
وفي تفاصيل ما جرى في الساعات الأخيرة من يوم السبت، تنبه شبان القرية لتحركات مشبوهة للمستوطنين على أطرافها، وكما هي العادة، أطلقوا تنبيهات عبر المجموعات الإلكترونية لحث الأهالي على التجمع والتصدي للاقتحام.
وصل التنبيه إلى حمايل الذي سارع إلى مسجد القرية، ومن خلال مكبرات الصوت، دعا الجميع للتجمع، ثم توجه مع آخرين إلى مكان الحدث، لكن هذه المرة، كان الأمر مختلفا، حيث بلغ عدد المستوطنين نحو المئة، قادمين من مستوطنات مختلفة في البؤرة الاستيطانية التي أقيمت حديثا على أراضي القرية.
تصاعد الاعتداءات الاستيطانية بالضفة الغربية
اندلعت مواجهات عنيفة بالحجارة بين الأهالي والمستوطنين، وتمكن الأهالي من إعاقة تقدم المستوطنين لدقائق معدودة، قبل أن تقترب مركبة تابعة للمستوطنين، وبعد لحظات، دوّت أصوات الرصاص.
أصيب مواطنان فلسطينيان في رأسيهما، واستشهدا على الفور، بالإضافة إلى إصابة خمسة آخرين، ثم وصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، وبدأت في تفريق الأهالي بإطلاق قنابل الغاز، لحماية المستوطنين، مما أدى إلى حالات اختناق، استشهد على إثرها فلسطيني ثالث.
جاء استشهاد هؤلاء الفلسطينيين الثلاثة بعد ساعات قليلة من إعلان استشهاد أمير محمد شناران، البالغ من العمر 27 عاما، برصاص مستوطنين من مستوطنة سوسيا، المقامة على أراض في منطقة واد الرخيم بمسافر يطا، جنوبي الضفة الغربية.
ضحايا جدد برصاص المستوطنين
وكان قرابة عشرة مستوطنين قد اقتحموا مساكن الشهيد شناران وعائلته يوم السبت الموافق السابع من آذار، واعتدوا على العائلة بالضرب، ثم وصلت مركبة دفع رباعي، وترجل منها مستوطن يرتدي زي جيش الاحتلال الإسرائيلي، وبدأ بإطلاق الرصاص بشكل مباشر، مما أدى إلى إصابة أمير شناران برصاصة قاتلة في رأسه، وإصابة شقيقه بأخرى في بطنه.
ليس إطلاق الرصاص باتجاه الفلسطينيين من قبل المستوطنين بالأمر الجديد، ولكن الملاحظ هو تزايد حدة هذه الاعتداءات منذ الهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران في 28 فبراير الماضي.
في الثاني من مارس الحالي، استشهد شقيقان فلسطينيان في قرية قريوت، جنوبي مدينة نابلس، في هجوم مماثل للمستوطنين، ليرتفع عدد الفلسطينيين الذين قتلوا خلال أسبوع الحرب الأول إلى ثمانية، وهو عدد غير مسبوق، بحسب الناشط عايد غفري، المتابع لاعتداءات المستوطنين.
تصاعد وتيرة العنف الاستيطاني
يقول غفري إن المستوطنين، منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، يعملون على تنفيذ جميع مخططاتهم على الأرض من خلال ممارسة الإرهاب الممنهج ضد الفلسطينيين، لكن في الأسبوع الأخير كانت "التكلفة هي الدم".
وتابع غفري "خلال الفترة الفائتة لاحظنا أن كل الصلاحيات أصبحت مفتوحة أمام المستوطنين للسيطرة على الضفة الغربية، والقضاء على كل من يقف عائقا في طريقهم".
ويستند غفري في تحليله لخطورة ما يجري حاليا واستغلال المستوطنين لظرف العدوان والانشغال الدولي، إلى ما استطاع المستوطنون تكريسه على الأرض خلال الحرب على القطاع، فخلال هذه الفترة تمكنوا من تفريغ مناطق "ج" تقريبا من التجمعات البدوية التي كانت تشكل عائقا أمام توسعهم وسيطرتهم على الأراضي.
بحسب الأرقام الموثقة، فمنذ بداية عام 2026 وحتى 18 فبراير الماضي، هُجّر نحو 700 فلسطيني من تسعة تجمعات سكانية بسبب هجمات المستوطنين، 600 منهم هُجّروا من تجمع رأس عين العوجا البدوي في محافظة أريحا، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (اوتشا).
ويعد هذا أعلى معدل يُسجَّل منذ اندلاع الحرب على غزة قبل أكثر من عامين، وفق غفري الذي أكد أن عنف المستوطنين أصبح عاملا رئيسيا في التهجير القسري في الضفة الغربية.
اعتداءات متزايدة وتصعيد خطير
محليا، وثّق مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان خلال الفترة الممتدة بين 16 و23 فبراير الماضي 86 اعتداءً للمستوطنين استهدفت 60 تجمعا فلسطينيا، وأسفرت عن تهجير 186 شخصا وإصابة 64 آخرين، بعضهم بالرصاص، وإحراق 39 مركبة واقتلاع 800 شجرة زيتون، إضافة إلى اعتداءات جسدية ومنع رعاة من الوصول إلى أراضيهم.
وقد ارتفعت هذه المعطيات بنسبة 25%، بحسب المدير العام للتوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود، خلال فترة الحرب على إيران التي لم تتجاوز عشرة أيام بعد.
واضاف داود "ليس فقط ارتفاع وتيرة الاعتداءات، وإنما نوعية هذه الاعتداءات، فهذه هي المرة الأولى التي نشهد فيها هذا العدد من الشهداء خلال فترة قصيرة".
وسيطر المستوطنون على معظم الأراضي المصنفة "ج" حسب اتفاقية أوسلو، وتُقدَّر مساحتها بـ61% من مساحة الضفة الغربية، وهو ما جعلهم ينتقلون إلى الجزء الثاني من خطتهم -حسب غفري- وهي المناطق السكنية الفلسطينية والمناطق المصنفة "ب" التي تخضع إداريا للسلطة الفلسطينية بحسب اتفاقية أوسلو، وتُقدَّر مساحتها بنحو 23.7% من إجمالي الضفة الغربية، ثم يزحفون إلى قلب القرى والتجمعات الفلسطينية.
هنا يشير عمر حمايل، إلى انطلاق المستوطنين الذين قاموا بالاعتداء على قرية "أبو فلاح" من البؤرة الاستيطانية التي أُقيمت على منطقة مصنفة "ج" في قريته.
لجان الحراسة الشعبية.. ضرورة ملحة
في حالة قرية "أبو فلاح"، فإن يقظة الأهالي ووجود لجان الحراسة الشعبية مكّنا من تنبيه أهالي القرية لصد عدوان المستوطنين، بالرغم من الثمن الباهظ الذي دفعته القرية، لكنهم قطعوا الطريق أمام مخططات المستوطنين التي أعلنوا عنها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بحرق منازل في القرية وإقامة نواة بؤرة استيطانية جديدة على أطرافها، وهو ما يعيد إلى الواجهة أهمية التحركات الشعبية للتصدي لعدوان المستوطنين.
المقصودة هنا لجان الحراسة الليلية المُشكلة من الأهالي في التجمعات الفلسطينية المهددة بالاستيطان والأكثر عرضة لاعتداءات المستوطنين، وتقوم هذه اللجان بمناوبات ليلية لرصد أي تحركات للمستوطنين وتنبيه الأهالي لصدها، ويكون ذلك غالبا بالحجارة أو العصي أو التجمع في المناطق التي تتعرض للاعتداءات.
بالرغم من ملاحقة الاحتلال لهذه اللجان، وضعف الدعم الرسمي لها، فإنها -كما يقول غفري ويتفق معه حمايل- تُعدّ الوسيلة الوحيدة المتاحة في ظل الصلاحيات المفتوحة للمستوطنين.
واضاف غفري "علينا أن نتعامل مع مستوى الخطورة، وألا تبقى هذه اللجان مجرد ردة فعل على اعتداءات المستوطنين ومن دون تنظيم ممنهج لها، فعدم التنظيم يرفع حجم الخسائر الفلسطينية التي أصبحت في الفترة الأخيرة خسائر في الأرواح".
