في ايران، لا يقتصر دور الباسيج على كونه تشكيلا ميليشياويا تابعا للحرس الثوري، بل يتعداه ليصبح احدى الادوات الاكثر تشعبا للجمهورية الاسلامية داخل المجتمع، كما يعد الاقرب الى الربط بين الامن والعقيدة والسياسة.
ومنذ تاسيسه عقب ثورة 1979، تطور الباسيج من قوة تعبئة شعبية استدعيت لحماية النظام الوليد والمشاركة في الحرب العراقية الايرانية، ليصبح جهازا واسع الحضور يؤدي ادوارا متداخلة في الضبط الداخلي والمراقبة الاجتماعية والتعبئة الايديولوجية ودعم نفوذ الحرس الثوري داخل الدولة والمجتمع.
واضاف ان الباسيج تاسس بامر من المرشد الاول الخميني في نوفمبر 1979، في اطار فكرة انشاء جيش العشرين مليونا للدفاع عن الثورة والنظام الجديد.
الباسيج.. من التعبئة إلى الأمن الداخلي
وفي بداياته، بين انه اضطلع بادوار امنية وخدمية محدودة، قبل ان يتحول سريعا خلال الحرب مع العراق الى خزان بشري للتعبئة، وهناك ارتبط اسمه بما عرف بالموجات البشرية، حين زج بمتطوعين، كثير منهم من صغار السن او قليلي التدريب، في جبهات القتال والحقول الملغومة.
واوضح انه لكن نهاية الحرب لم تعن تراجع دوره، بل اعيد توجيه الباسيج تدريجيا نحو الداخل، ليتحول الى احد الضامنين الاساسيين للامن الداخلي، ومنذ تسعينات القرن الماضي، ومع اتساع الاحتجاجات الطلابية والاجتماعية، صار الباسيج اداة رئيسية في مواجهة الاضطرابات، وخصوصا في احتجاجات 1999 ثم الحركة الخضراء عام 2009، وصولا الى موجات الاحتجاج اللاحقة.
ومن الناحية الهيكلية، اكد انه لا يعمل الباسيج كقوة مستقلة بالكامل، بل يخضع للحرس الثوري، الذي يتولى قيادته واعادة تنظيمه وتحديد وظائفه، وقد مر بعدة مراحل تنظيمية، قبل ان يدمج بصورة اوثق داخل بنية الحرس، ويصبح جزءا من منظومة الامن الموازي التي يقودها الاخير.
هيكلة الباسيج وعلاقته بالحرس الثوري
وبذلك، شدد على انه لا يقاس وزن الباسيج بعدد افراده فقط، بل ايضا بموقعه كامتداد اجتماعي للحرس الثوري داخل المدن والجامعات والمدارس والنقابات والاحياء.
وعلى هذا الاساس، بين انه يشكل الباسيج طبقة وسيطة بين المؤسسة العسكرية الصلبة والمجتمع، فهو ليس جيشا نظاميا بالمعنى التقليدي ولا مجرد ميليشيا شوارع، بل شبكة تعبئة تتغلغل في البنية المدنية وتتيح للحرس الثوري الوصول الى المجتمع ومراقبته والتاثير فيه واستدعاء عناصره عند الحاجة.
وكشفت المواد الواردة عن بنية واسعة ومعقدة للباسيج، تشمل وحدات قتالية واخرى اجتماعية وثقافية ومهنية، فإلى جانب كتائب مثل عاشوراء والزهراء وبيت المقدس والامام علي والامام الحسين وكوثر، التي تضطلع بادوار تتراوح بين مكافحة الشغب والدعم اللوجستي والحماية والتدريب العسكري، توجد ايضا فروع موجهة الى شرائح المجتمع المختلفة: الطلاب والتلاميذ والجامعيون والموظفون والعمال والقبائل والمهندسون والاطباء والفنانون والاعلاميون والرياضيون حتى رجال الدين والمنشدون الدينيون.
الباسيج.. أذرع متعددة في المجتمع الإيراني
ولا تعد هذه البنية مجرد اتساع تنظيمي، بل فلسفة عمل تقوم على تحويل الباسيج الى مجتمع مواز داخل المجتمع الايراني، فوجوده في المدارس والجامعات والمساجد والاحياء والدوائر الرسمية يجعله جهازا للفرز والتعبئة والرقابة لا مجرد قوة تستدعى عند اندلاع الاضطرابات.
واكد ان الاهمية العملية للباسيج تكمن في كونه احد اول خطوط الاستجابة عند وقوع الاحتجاجات كجهاز مواز لقوات انفاذ القانون (الشرطة)، فبحسب المواد اعلاه تظهر عناصره سريعا في الشوارع على دراجات نارية او في مجموعات ميدانية ويتولون تفريق المحتجين واعتقالهم ومطاردتهم ورصد النشطاء والعمل احيانا بملابس مدنية او عبر مخبرين داخل التجمعات كما يضطلع بدور في مراقبة المجتمع وفرض المعايير السلوكية ومساندة اجهزة الامن والشرطة في ضبط المجال العام.
وفي هذا المعنى، يؤدي الباسيج وظيفة حاسمة للنظام: تخفيض تكلفة القمع الرسمي المباشر عبر الاعتماد على شبكة تعبئة عقائدية امنية موزعة على القاعدة الاجتماعية، ولذلك لا يفهم حضوره من خلال عدد البنادق او الكتائب فقط، بل من خلال قدرته على انتاج حضور امني يومي داخل المجتمع.
من الأمن إلى النفوذ السياسي والاقتصادي
لم يعد الباسيج مجرد اداة امنية، فمع الوقت اتسع نفوذه السياسي والاقتصادي سواء عبر دعمه لتيارات محافظة في الانتخابات او من خلال حضوره في الجامعات والاعلام او عبر شبكات المنح والامتيازات والتوظيف، كما دخل في مشاريع اقتصادية وانشائية وتنموية مستفيدا من صلاته بالحرس الثوري ومؤسساته المالية والتعاونية.
وبين ان هذا التمدد جعل الباسيج جزءا من منظومة السلطة لا من هامشها، فهو يساعد على حماية التوازن السياسي الداخلي ويدعم نفوذ الحرس الثوري في مؤسسات الدولة ويؤمن قاعدة اجتماعية وايديولوجية للنظام في لحظات التوتر.
ولا يقتصر دور الباسيج على الشارع او الامن الميداني، بل توسع في العقدين الاخيرين ليشمل ما تسميه السلطات الايرانية الحرب الناعمة، وفي هذا السياق انشا الحرس الثوري والباسيج بنية دعائية وسيبرانية واسعة تهدف الى مواجهة الخصوم السياسيين والاعلاميين للنظام داخل ايران وخارجها.
الباسيج.. ذراع الحرب الناعمة والميليشيا الرقمية
ويعمل مقر الحرب الناعمة التابع للباسيج على تنظيم الانشطة في الفضاء الالكتروني، بما في ذلك ادارة المواقع الالكترونية والمدونات ومنصات التواصل الاجتماعي وتدريب الاف الاعضاء على انتاج المحتوى السياسي والدعائي ومواجهة المعارضين على الانترنت، وتشير تقارير الى ان الاف عناصر الباسيج تلقوا تدريبات على التدوين ومراقبة الشبكات الاجتماعية والابلاغ عن الحسابات المعارضة اضافة الى المشاركة في حملات الكترونية منظمة.
كما يدير الباسيج شبكة اعلامية موازية تضم مؤسسات مثل وكالة انباء تحمل اسمه ووكالة انباء دانشجو المرتبطة بالبسيج الطلابي الذي ينشط بالجامعات فضلا عن ارتباطه الوثيق بوسائل اعلام قريبة من الحرس الثوري مثل تسنيم وفارس وتستخدم هذه المنصات لترويج خطاب النظام وتعبئة المؤيدين ومهاجمة الخصوم السياسيين والنشطاء.
واختتم الباسيج بتحوله تدريجيا الى قوة هجينة تجمع بين الميليشيا الميدانية والميليشيا الرقمية، اذ يعمل اعضاؤه في الشارع وفي الفضاء الالكتروني معا ضمن استراتيجية اوسع للحرس الثوري تهدف الى السيطرة على المجالين الامني والاعلامي في ان واحد.
