عاد ملف رواتب متقاعدي الضمان الاجتماعي في الاردن الى دائرة النقاش العام، بعد تصريحات خبير التامينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي، الذي اوضح فيها ان تقديره لقيمة الزيادة السنوية المرتبطة بالتضخم لم يكن عشوائيا، بل مبنيا على معطيات رقمية دقيقة تتعلق بمعدل التضخم السنوي ونمو الاجور.
وقال الصبيحي ان تقديره لزيادة تقارب 6 دنانير لم يأت من فراغ، بل استند الى نسبة تضخم مسجلة بلغت نحو 1.77 بالمئة خلال العام الماضي، وهي نسبة اعتبرها اقل من معدل النمو السنوي لمتوسط الاجور، وفي الوقت نفسه اعلى بقليل من النسبة التي اعتمدتها مؤسسة الضمان في العام السابق عند تحديد زيادة بلغت 5.8 دينار.
واشار الى ان هذه المقارنة بين الارقام هي التي دفعت الى تقدير الزيادة الجديدة عند حدود 6 دنانير تقريبا، مع التاكيد ان الارقام النهائية تبقى من اختصاص مؤسسة الضمان الاجتماعي التي يفترض انها اكملت حساباتها استعدادا للاعلان الرسمي.
آلية قانونية تربط الرواتب بالتضخم والاجور
في توضيح اكثر تفصيلا، بين الصبيحي ان قانون الضمان الاجتماعي ينص بشكل واضح على ربط رواتب التقاعد ورواتب الاعتلال بنسبة التضخم او بمعدل النمو السنوي لمتوسط الاجور، على ان يتم اعتماد النسبة الاكثر انخفاضا بينهما عند احتساب الزيادة السنوية.
وهذه الالية تعني عمليا ان اي زيادة لا تعتمد على تقديرات سياسية او اجتهادات فردية، بل ترتبط بمعادلة اقتصادية تهدف الى حماية القوة الشرائية للمتقاعدين ضمن حدود محددة.
وبحسب البيانات التي اشار اليها، فقد بلغت نسبة التضخم للعام الماضي نحو 1.77 بالمئة، في حين يقدر معدل النمو السنوي لمتوسط الاجور خلال اخر عامين بنحو 4 بالمئة، ما يجعل التضخم هو المرجع الاساسي في احتساب الزيادة وفقا للقانون.
ويؤكد الصبيحي ان هذا الاختيار للنسبة الاقل يؤدي الى تثبيت زيادة محدودة نسبيا، لكنها تضمن الحد الادنى من التعويض عن ارتفاع الاسعار.
توزيع الزيادة واستثناءات قانونية
وبحسب ما اوضحه ايضا، يتم توزيع الزيادة السنوية بشكل متساو على جميع رواتب التقاعد ورواتب الاعتلال، دون التمييز بين راتب واخر من حيث القيمة، وذلك التزاما بالنص القانوني المعمول به داخل المؤسسة.
لكن هناك استثناءات محددة تشمل راتب التقاعد المبكر وراتب اعتلال العجز الجزئي الاصابي، حيث لا يتم شمولها بهذه الزيادة في بعض الحالات، ما لم يكن صاحب الراتب قد بلغ سن الشيخوخة او في حال الوفاة، وفقا للضوابط المعتمدة.
وتاتي هذه التفاصيل في وقت يترقب فيه الالاف من المتقاعدين اعلان الزيادة بشكل رسمي، خصوصا مع التوقعات بان يتم صرفها مع رواتب شهر ايار المقبل، في اطار الالية السنوية المعتمدة من مؤسسة الضمان الاجتماعي.
19 مليار دينار موجودات.. لماذا لا يرتفع الحد الادنى؟
في موازاة ملف الزيادة السنوية، عاد ملف الحد الادنى لرواتب التقاعد الى الواجهة مجددا، خصوصا بعد اعلان نتائج اداء صندوق استثمار اموال الضمان الاجتماعي، والتي اظهرت ارتفاع الموجودات الى نحو 19.2 مليار دينار مع نهاية الربع الاول من عام 2026، محققة نموا بنسبة 2.8 بالمئة.
هذه الارقام دفعت الى تجدد المطالبات باعادة النظر في الحد الادنى الاساسي لرواتب التقاعد والاعتلال، خصوصا في ظل استمرار شريحة واسعة من المتقاعدين بالحصول على رواتب متدنية لا تتناسب مع تكاليف المعيشة الحالية.
ويرى الصبيحي ان هذا الملف لم يعد مجرد قضية قانونية، بل اصبح قضية اجتماعية وانسانية ملحة، تستدعي تدخلا جادا لمعالجة الفجوة بين الرواتب المنخفضة والاحتياجات المعيشية المتزايدة.
فجوة معيشية تتسع بين الدخل والاحتياجات
يشير خبراء في الحماية الاجتماعية الى ان عددا كبيرا من المتقاعدين في الاردن يتقاضون رواتب لا تكفي لتغطية الحد الادنى من متطلبات الحياة، في ظل ارتفاع اسعار السلع والخدمات، وتزايد الاعباء الاسرية والصحية.
هذا الواقع يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مدى كفاية الزيادة السنوية المرتبطة بالتضخم، وهل ما زالت هذه الالية قادرة على تحقيق التوازن المطلوب بين الدخل والانفاق لدى شريحة المتقاعدين.
ويؤكد الصبيحي في هذا السياق ان هناك حاجة ملحة لاعادة النظر في الحد الادنى لرواتب التقاعد، استنادا الى المادة 89 من قانون الضمان الاجتماعي، التي تتيح لمجلس الوزراء اتخاذ قرار برفع الحد الادنى بناء على تنسيب من مجلس ادارة المؤسسة.
مقترحات برفع الحد الادنى الى 200 دينار
ضمن النقاشات الدائرة، طرح الصبيحي مقترحا يشير الى ان رفع الحد الادنى لرواتب التقاعد بنسبة قد تصل الى 20 بالمئة يمكن ان يسهم في تحسين مستوى معيشة عشرات الالاف من المتقاعدين.
واوضح ان هذا التوجه قد يؤدي الى رفع الحد الادنى الاجمالي للراتب الى نحو 200 دينار، خاصة في ظل وجود مقترحات تشريعية سابقة تؤكد عدم السماح بان يقل الراتب التقاعدي عن هذا السقف.
وبحسب تقديرات متداولة، فان عدد المتقاعدين الذين تقل رواتبهم عن هذا الحد يتجاوز 30 الف متقاعد، ما يعيد فتح النقاش حول جدوى تاخير اتخاذ قرار بهذا الشان، خصوصا في ظل المؤشرات المالية الايجابية التي يسجلها صندوق الضمان.
بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية
رغم هذه المطالبات، يشدد مختصون على ضرورة التوازن بين تحسين رواتب المتقاعدين والحفاظ على الاستدامة المالية لصندوق الضمان الاجتماعي، باعتباره مؤسسة ادخارية طويلة الامد تعتمد على اشتراكات المشتركين واستثمارات الاموال.
لكن في المقابل، يرى اخرون ان الارقام الحالية لصندوق استثمار اموال الضمان، والتي وصلت الى مستويات قياسية، تفتح الباب امام اعادة تقييم اولويات الانفاق الاجتماعي، بما يضمن تعزيز العدالة بين فئات المتقاعدين.
اثر محدود للزيادات امام ارتفاع الكلف المعيشية
في المحصلة، تبقى الزيادة السنوية المرتقبة، رغم اهميتها، محدودة الاثر في ظل الارتفاع المستمر لكلف المعيشة، خاصة في قطاعات الغذاء والايجارات والطاقة.
ويعيد هذا الواقع طرح سؤال اساسي حول مدى قدرة الالية الحالية لربط الرواتب بالتضخم على مواكبة التغيرات الاقتصادية المتسارعة، وما اذا كان الوقت قد حان لاعادة النظر في فلسفة الزيادة نفسها، وليس فقط في نسبتها.
وبين حسابات التضخم، ومطالب رفع الحد الادنى، ومعطيات الصناديق المالية، يبقى ملف متقاعدي الضمان الاجتماعي واحدا من اكثر الملفات حساسية، لارتباطه المباشر بحياة شريحة واسعة من المواطنين الذين ينتظرون قرارات تترجم الارقام الى واقع معيشي افضل.
